الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩١ - النبيّ هارون عليه السلام و نموذج الوحدة
والضلال في بني إسرائيل، فأجابه بتحرّيه طريق الإصلاح من الاهتمام بمصير بني إسرائيل، وإرشادهم إلى الصواب، ونهيهم عن الضلال، ومقاطعته وتبرّيه عن سبيل المفسدين، ورضى موسى عليه السلام بفعله.
و في الحقيقة إنّ مساءلة النبيّ موسى عليه السلام لوصيّه النبيّ هارون عليه السلام عن دوره في هذا الحدث الداهية الفظيع، وكذلك أخذه برأسه ولحيته، ليس لإدانة أخيه ووصيّه، أو شكّه في استقامته، بل هي لإجل بيان مدى فظاعة الانحراف والضلال الذي ارتكب، كما قال موسى: «بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي» [١]، «قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ» [٢]، وكذلك لدفع تهمة تخاذل هارون عن الحقّ.
و هي أيضاً نظير مساءلة اللَّه تعالى للنبيّ عيسى يوم المعاد: «وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ* ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ» [٣]؛ إذ هي لبيان العظيمة التي ارتكبها النصارى من الشرك، لا لإجل عتاب النبيّ عيسى عليه السلام؛ كيف وهو تعالى عالم ببراءة ساحته عن انحراف النصارى؟!
و كذلك لكون مساءلة ومحاسبة النبيّ عيسى عليه السلام تدلّ على عظم الخطب في الحدث، الذي يستدعي مساءلة كلّ أطراف الحدث عنه، حتّى مثل النبيّ؛ ولتبرئة عيسى عليه السلام عن ضلال النصارى، و هذا الأُسلوب من فنون الكلام والبيان، فكذلك الحال في مساءلة النبيّ موسى عليه السلام لوصيّه هارون عليه السلام.
و كذلك في مساءلة الصدّيقة الزهراء لوصيّ المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم: «اشتملت مشيمة
[١] . الأعراف/ ١٥٠.
[٢] . طه/ ٨٥.
[٣] . المائدة/ ١١٦- ١١٧.