الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٧٧ - ٩- آفاق الوحدة
الأُموي أو العبّاسي، بل هذا اتّحاد على الغواية وتعاون على الإثم والعدوان، ومن ثمّ لم يبال سيّد الشهداء عليه السلام أن يشقّ عصا المسلمين المتآلفين على النهج اليزيدي، و قال:
إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.
فالاصلاح والنصيحة للمسلمين ليس بإقرارهم على ما هم عليه من الفساد و الغواية، بل هو بأمرهم بالمعروف والحقيقة ونهيهم عن المنكر والباطل، ودعوتهم للتعاون على السير على نهج الحقّ والصراط المستقيم.
وخذ مثالًا لذلك: لو شاهدت مدمناً على المخدّرات وأردت أن تنصحه، فإنّ نصيحته ليست بمدحه على فعله وتحسينه له؛ فهو غشّ ودغل واحتيال، بل نصيحته بتعليمه بسوء ما هو عليه وقبحه، وإرشاده إلى الطريق السوي ..
و كما قام سيّد الشهداء بتفرقة الجماعة المتجمّعة على الباطل، قام جدّه النبيّ المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم بتفرقة المجتمع المكّي القرشي، الذي كان متّحداً على عبادة الأوثان، و أرشدهم بالأُسلوب التدريجي، وبالحكمة والموعظة، وبالتي هي أحسن، والمداراة، إلى طريق الصواب والهداية، ولم تكن مداراته بمعنى ذوبانه في أرجاس الجاهلية ومداهنته لزيغهم وغيّهم، نعم لا يكون العلاج إلّاتدريجياً وبتعقّل وتروّي وتؤدة.
و لك أن تعتبر بسيرة سيّد الشهداء عليه السلام، فإنّه لمّا رأى العالم الإسلامي ساكت على تولّي يزيد بن معاوية للأُمور وفاقاً سكوتياً أخذ في توعية الناس في المدينة المنوّرة، ثمّ في مكّة عدّة أشهر، يلتقي بوفود المسلمين في العمرة وموسم الحجّ ويخطب فيهم، إلى أن أثمرت جهوده عليه السلام وبانت في مخالفة أهل العراق للسلطة الأُموية، فخالفوا وحدة الصفّ التي كانت في جانب يزيد، وأخذ في توسيع القاعدة الشعبية المخالفة كي تصبح أكثرية، ثمّ توجّه صوب العراق لإنجاز الإصلاح في الأُمّة، فلمّا رأى عودة أهل العراق عن مخالفة الصفّ اليزيدي واتّحادهم مع الوفاق الأُموي، لم يستسلم للوحدة على الباطل والغي حتّى استشهد إحياءً لفريضة الإصلاح والأمر بالوحدة على المعروف والانتهاء عن المنكر.