الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٦٣ - * الثانية المظاهرة بالمكيدة
خطير، ومكيدة عظيمة، استدعت هذا التصعيد الشامل في النفير والتعبئة الإلهية في صدر السورة، والتعريض بأقصى الحدّة في ذيل السورة.
ثمّ إنّ لفظ «ظَهِيرٌ» بمعنى العون والحماية يعطي أنّ المكيدة متّصلة بمسألة تتعلّق بالحياة الأمنية لوجود النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، وبضميمة كون سبب المكيدة هي أمر الخلافة بعده صلى الله عليه و آله و سلم، و أمر أبيبكر و عمر الذي أفشته حفصة أو عائشة إلى الأُخرى- كما مرّ- ومن ثمّ إلى أبويهما- كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك-.
و بلحاظ كون الحماية الإلهية المستنفرة بالغة القوّة يقتضي أنّ المكيدة لم يكن المتورّط فيها هاتين المرأتين بمفردهما بمجرّد حولهما وقوّتهما، بل كان ذلك على اتّصال و ارتباط بأطراف القضية، ومَن يعنيه شأن الحدث، ومَن له علاقة ماسّة بالخبر المفشى؛ و الذي قد تقدّم أنّ صدر السورة يعطي كون الخبروالحديث يحمل في طيّاته إنذاراً و تحذيراً، لابشارةً واستهلالًا، وإلّا لَما اقتضت طبيعة الخبر تولّد المكيدة الخطيرة والتسبّب لذلك.
ولعظم الخطب في هذه الحادثة نرى الآيات الأُخرى المتوسّطة في هذه السورة، قد حملت الشدّة نفسها في الخطاب والتعريض، ولم يحاول المفسّرون من أهل سُنّة الجماعة الإلفات إليه، وتغاضوا عن مدلوله، وهي قوله تعالى: «عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَ أَبْكاراً»، فإنّ ذكر هذه الصفات تعريض بفقدها فيهما.
قيل: المراد ب «مُسْلِماتٍ»: مطيعات ومنقادات لأمر اللَّه تعالى و رسوله صلى الله عليه و آله و سلم، و قيل:
مخلصات؛ و المراد ب «مُؤْمِناتٍ»: أي: المعتقدات بحقيقة الإيمان؛ والتعريض بهذا الوصف يماثل التعريض بما في ذيل السورة: «فَخانَتاهُما» بمعنى نافقتاهما وحاددتاهما في الدين.
و ب «قانِتاتٍ»: المطيعات الخاضعات المتذلّلات لأمر اللَّه تعالى ورسوله؛ إذ القنوت هو لزوم الطاعة مع الخضوع، وقد ذكر هذا في ذيل السورة في توصيف مريم بنت عمران،