الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١١٩ - ٤- الوجه التاريخى
اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم عليّاً عليه السلام فودى لهم الدماء وأرضاهم [١].
فتبيّن أن لا تلازم بين صدور العمل الصالح- على تقدير ثبوته- وبين استقامة الشخص في بقيّة أعماله، فضلًا عن عصمته وإمامته في الدين.
أمّا الخوض في الفتوحات بشكل إجمالي فالنظرة المقابلة تقيّم الفتوحات التي حصلت بأنّها كانت بمثابة سدوداً أمام انتشار الدين في كلّ أرجاء المعمورة، فإنّ هذا الدين الحنيف لا يصمد أمام بريق نوره الأقوام البشريّة إلّاوتنجذب إليه، وهذا هو عمدة نهج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في دعوته إلى الإسلام.
قال تعالى: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ* وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً» [٢]، فالدخول الفوجي الأفواجي للناس كان بحكم الانجذاب إلى عظمة الدين، والمثالية التي يتّصف بها صاحب الدعوة، والكيان الداخلي الذي بناه، إلّاإنّ مجموع الممارسات في أحداث الفتوحات كبّلت الدين، وألبست الإسلام أثواباً قاتمة، وولّدت انطباعاً لدى بقيّة الأُمم والملل أنّ الدين الحنيف هذا هو دين السيف والدم، ولغته لغة القوّة بالدرجة الأُولى وفي القاعدة الأصلية له، لا أنّه دين الفطرة العقلية، «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ» [٣].
و من ثمّ أخذت بعض الكتابات في العالم العربي الإسلامي منذ نصف قرن في التنكّر لقانون الجهاد الابتدائي في الإسلام، باعتبار أنّه يعني لغة القوّة والعنف والعسكر، ورفضاً للغة الدعوة إلى سبيل اللَّه بالحكمة والموعظة الحسنة، التي هي من الثوابت الأوّلية لطريقة الدعوة إلى الإسلام، وربّما تمسّكوا بسيرة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في جميع غزواته؛ إذ إنّها لم تكن مبتدأة منه صلى الله عليه و آله و سلم، بل من مناوشات الكفّار أوّلًا للمسلمين، وبذيل بعض الآيات من قبيل قوله تعالى: «وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُ
[١] . المغازي للواقدي- ٣/ ٨٧٥- ٨٨٤.
[٢] . النصر/ ١ و ٢.
[٣] . الروم/ ٣٠.