الفقه المعاصر - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٢٥٤ - دخول أمريكا على الخط
عصورهم وبيئاتهم بدافع من الشعور بالحاجة الجماعية لمثله وهذا يتصور في الأحجار الكريمة النادرة والذهب والفضة والماس واشباهها.
(ب) أن تكون المالية مجعولة بجعل خاص كالدولة أو البنك مثل الأوراق النقدية ولو بأن يكون مقدار المال الذي تحمله الورقة النقدية من الذهب هو دين في ذمة الدولة التي منحتها الاعتبار. وطوابع البريد وتذاكر القطار وبطاقات اليانصيب وتذاكر مصلحة الركاب من هذا القسم.
فطابع البريد لا قيمة له لو لم تتعهد الدولة في قباله بأن توصل الرسالة، والرزمة إلى المحل المعين مقابل الطابع.
وكذا النقود الورقية، فلولا التعهد من الدولة والبنك بصرف قيمته ذهباً لما تداول في الأسواق ولولا اعتبار الدولة له الآن (وإن فك عن الرصيد الذهبي) لما تداول في الأسواق.
ولكن يوجد فرق بين طابع البريد والنقد الورقي مع كونهما مما يتنافس عليه العقلاء وكلاهما مال وهو: أن الورق النقدي اصبح مالاً فعلاً بواسطة الجعل والاعتبار فلا فرق بينها وبين المعادن والاحجار الكريمة بل قد ترجّح عليهما.
أما طوابع البريد فهي معتبرة للاثر المترتب عليها وليست مالاً عند العقلاء[١]،[٢].
[١]. بحوث فقهيّة/عزّ الدين بحر العلوم/٧٨ ـ ٨٢ .
[٢]. أقول: وخلاصة ما تقدم هو: (١) إن المأكول والمشروب والملبوس، يوجد فيها شيء يحتاجه الإنسان بحسب فطرته، فماليته مجعولة يتنافس عليها العقلاء.
(٢) أما المعادن فيوجد شيء فيها يحتاجه الإنسان بحسب جعله لا بفطرته، ولتكن جماليته وزينته واستحكامه فماليته مجعولة يتنافس عليها العقلاء فإن لم يكن الإنسان مريداً للزينة والجمال والاستحكام فلا حاجة له في المعادن.
(٣) في الأوراق المالية يوجد شيء يحتاجه افراد الدولة، ومن يعيش معهم، وهو جعل المقدار من المال في الورقة النقدية ديناً في ذمّة الدولة المعتبِرة للورق النقدي، فماليتها مجعولة يتنافس عليها العقلاء.
(٤) أما في طوابع البريد وأمثالها من أوراق اليانصيب وتذكرة القطار والطائرة، فيوجد شيء وهو تعهد الدولة أو الشركة المصدِّرة لهذه الطوابع أو البطاقات، بأن توصل الرسالة أو الرزمة أو توصلك إلى المحل المعيّن مقابل الطابع أو البطاقة أو تعهّد مصدِّر البطاقات بأن القرعة إذا خرجت برقم بطاقة اليانصيب تمنح جائزة معيّنة، فالماليّة مجعولة يتنافس عليها العقلاء.
وهذه الأمور الجعلية الثلاثة تختلف فيما بينها، إذ نرى أن المعادن تكون ماليتُها جعلية تستمد من نفس المعدن، بخلاف الورق النقدي التي تكون ماليته جعليّة مستمدة من اعتبار الدولة. وكذا نرى أن مالية الورق النقدي الجعلية تختلف عن مالية أوراق اليانصيب وتذكرة الطائرة والقطار، إذ مالية الورقة النقدية لا ترجع إذا ضاعت الورقة النقدية أو احترقت، أما مالية بطاقة الطائرة أو الشيك تُرجع إذا ضاعت البطاقة أو ثبت أنها قد احترقت.
فلهذا أصبحت المعادن ومنها الذهب والفضة سلعاً لأن ماليتها الجعلية مستمدة منها، وكذا الأوراق النقدية صارت ماليتها مستمدة منها بخلاف الشيك والحوالة وبطاقات السفر واشباهها فإن ماليتها إلى الآن لم تكن مستمدّة منها، والدليل على ذلك:
١ـ إذا تلف المعدن النادر أو الورقة النقديّة زالت المالية.
٢ـ إذا تلف الشيك أو ورقة الحوالة أو البطاقة لم تتلف الماليّة، بل الماليّة موجودة يمكن استرجاعها إذا ثبت التلف.
اذن فما يقال من أن قيمة الذهب والمعدن النقديّة ذاتية باطل، وإنما قيمتها النقديّة جعلية وإن كانت الجمالية والزينة والاستحكام مستمدّ من نفس المعدن.
فالمعادن والأوراق الماليّة ماليتها مجعولة بالجعل العام والخاص لجهة جعلها الناس والحكومة فيها، جعلت العقلاء يتنافسون عليها.