مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٣٤٣ - ١- باب احتجاجاته و مناظراته (عليه السلام) مع يحيى بن أكثم
و لقد سألته أن يقوم بالأمر و أنزعه عن نفسي فأبى، و كان أمر اللّه قدرا مقدورا؛
و أمّا أبو جعفر محمّد بن عليّ قد اخترته لتبريزه [١] على كافّة أهل الفضل في العلم و الفضل مع صغر سنّة، و الاعجوبة فيه بذلك، و أنا أرجو أن يظهر للنّاس ما قد عرفته منه، فيعلموا أنّ الرأي ما رأيت فيه.
فقالوا: إنّ هذا الفتى و إن راقك منه هديه، فإنّه صبيّ لا معرفة له و لا فقه، فأمهله ليتأدّب و يتفقّه في الدين، ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك.
فقال لهم: ويحكم! إنّي أعرف بهذا الفتى منكم، و إنّ هذا من أهل بيت علمهم من اللّه و موادّه و إلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين و الأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت من حاله. قالوا له:
قد رضينا لك يا أمير المؤمنين و لأنفسنا بامتحانه، فخلّ بيننا و بينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة، فإن أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، و ظهر للخاصّة و العامّة سديد رأي أمير المؤمنين، و إن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه.
فقال لهم المأمون: شأنكم ذاك و متى أردتم.
فخرجوا من عنده، و اجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم- و هو قاضي الزمان- أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، و وعدوه بأموال نفيسة على ذلك، و عادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع، فأجابهم إلى ذلك.
فاجتمعوا في اليوم الّذي اتّفقوا عليه، و حضر معهم يحيى بن أكثم، فأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر (عليه السلام) دست [٢] و يجعل له فيه مسورتان [٣]، ففعل ذلك؛
[١]- برز برازة: فاق أصحابه فضلا أو شجاعة.
[٢]- الدست: صدر البيت. المجلس. الوسادة.
[٣]- المسور: متّكأ من جلد.