مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦ - المقدّمة
فإنّه بعد أن وجّهت أصابع الاتّهام إلى المأمون، و أنّه قد سمّ الإمام الرضا (عليه السلام)، اندفع بلا هوادة إلى إظهار محبّته و تودّده لابن الرضا الإمام الجواد (عليه السلام) ليبعد عن نفسه تلك الفعلة الشنيعة، حتّى أنّه اصطدم بعشيرته، و خالف رأي الاسرة الحاكمة و عارض البلاط العبّاسي لمّا أصرّ على تزويج ابنته أمّ الفضل من الإمام الجواد (عليه السلام)، و ردّ عليهم قائلا:
«قد اخترته لبروزه على كافّة أهل الفضل في العلم و الفضل مع صغر سنّه، و الاعجوبة فيه بذلك ...». [١]
و لمّا استعر أوار النزاع بينهم، كان الفيصل الحاسم مناظرته (عليه السلام) مع قاضي قضاة الدولة يحيى بن أكثم، تلك المناظرة الّتي ألقمت خصومه و مناوئيه حجرا بالغ الأثر، و جعلتهم يركعون على عتبة علمه، و يطأطئون رءوسهم أمامه، و هم أهل العلم و الفصاحة كما يدّعون، بل قيل:
إنّه (عليه السلام)- و كان له تسع سنين- سئل عن- أو أجاب على- ثلاثين ألف مسألة [٢] في تلك المناظرة؛
و ذلك بإطلاقه (عليه السلام) القواعد الفقهيّة الّتي تتشعّب منها الأحكام العامّة.
و ليس هذا بغريب عن فنن دوحة مباركة استوعبت لباب العلوم الإلهيّة و المعارف العقليّة، إذ طالما جلس آباؤه (عليهم السلام) هذا المجلس، فأبهروا العقول، و أعجبوا الأسماع، فتخاذل أمام فيض علومهم و تراجع القهقرى ممّن ساد قومه و نبغ أو ترأس طائفته و بزغ، و ما زالت كتب التأريخ تذكر بافتخار مجلس أبيه الرضا (عليه السلام) عند المأمون يوم دحر جاثليق النصارى و رأس الجالوت بدامغ حججه، و عظيم بيانه، و روعة تبيينه، و عذب منطقه، و سلاسة اسلوبه.
[١]- الإرشاد للمفيد: ٣٦٠.
[٢]- راجع الاختصاص: ١٠٢.