سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٩٤ - الباب الثانى و الستون فى القضاء و القدر و التوكل و الطلب
الباب الثانى و الستون فى القضاء و القدر و التوكل و الطلب
اعلم وفقك الله تعالى: أن مذاهب الخلق فى القضاء و القدر[١] و خلق الأفعال و إرادة الكائنات منتشرة، و لا يخرج عن علمه و قضائه و قدره و حكمه حادث، فمن خالفنا فى القضاء و القدر وافقنا فى العلم، و قد تباين الخلق فيه و تشتتت مذاهبهم، و تقاطعوا فيه و تدابروا، كل حزب بما لديهم فرحون، و لم نضع هذه الترجمة لاستيفاء ما قالوا، و الاحتجاج لكل فريق، لأن ذلك يستدعى مجلّدات و أسفارا، و إنما نذكر فى هذا الكتاب أحكاما ظاهرة قريبة من العقول، لتقرّب الفائدة على الناظر فيه.
فاعلم أولا: أن كل ما يجرى فى العالم من حركة و سكون، و خير و شر، و نفع و ضر، و إيمان و كفر، و طاعة و معصية، بقضاء و قدر، و كذلك لا يطير طائر بجناحيه، و لا يدبّ حيوان على بطنه و رجليه، و لا تطير بعوضة و لا تسقط ورقة إلا بقضائه و قدره، و إرادته و مشيئته، كما لا يجرى شيء من ذلك إلا و قد سبق علمه به.
ثم اعلم: أن القدر و الطّلب لا يتنافيان، و التوكّل و الكسب لا يتضادّان، و ذلك أن تعلم أن كلّ ما قضى الله تعالى و قدّره فهو كائن لا محالة، كما أن ما علم الله تعالى أنه يكون فهو كائن، و من خالفنا فى القضاء و القدر وافقنا فى العلم، فربّ أمر قدّر الله تعالى وصوله إليك بغير طلب فهو واصل، و ربّ أمر قدّر وصوله إليك بعد الطلب، فلا يصل إلا بالطلب، و الطلب أيضا من القدر، و لا فرق بين الأمر المطلوب و بين الطلب فى إنّهما مقدوران، فمن هاهنا قلنا إنهما لا يتنافيان.
و كذلك التوكل مع الكسب، لأن التوكّل محلّه القلب، و الكسب محلّه الجوارح، و لا يتضادّ شيئان فى محلين، بعد ما يتحقّق العبد أنّ المقدور من قبل الله تعالى، فإن تعسّر شيء فبتقديره و إن اتفق فبتيسيره، قال أنس: جاء
[١] - في( خ) مذهب أهل الحق في القضاء و القدر.