سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٨٦ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
و بهذه الحيلة قهر ألب أرسلان[١] ملك الترك، ملك الروم[٢]، و قمعه و قتل رجاله و أباد جمعه، و كانت الروم قد جمعت جيوشا، يقلّ أن يجمع لمن بعدهم مثلها، و كان مبلغ عددهم ستّمائة ألف مقاتل، كتائب متواصلة، و عساكر مترادفة و كراديس[٣] يتلو بعضها بعضا، لا يدركهم الطرف[٤]، و لا يحصيهم العدد، و قد استعدوا من الكراع[٥] و السلاح، و المجانيق[٦]، و الآلات المعدة لفتح الحصون فى الحرب بما لا يحصى، و كانوا[٧] قد قسموا بلاد المسلمين: الشام، و مصر، و العراق، و خراسان، و ديار بكر، و لم يشكّوا أن الدولة قد دارت لهم، و إن نجوم السّعود قد خدمتهم، ثم استقبلوا بلاد المسلمين، فتواترت أخبارهم إلى بلاد المسلمين، و اضطربت لها ممالك الإسلام، فاحتشد للقائهم ألب أرسلان التركى، و هو الذى يسمى- الملك العادل-، و جمع جموعه بمدينة أصبهان- و استعد بما قدر عليه، ثم خرج يؤمهم فلم يزل العسكران يتدانيان إلى أن عادت طلائع المسلمين إلى المسلمين، و قالوا لألبأرسلان: غدا يتراءى الجمعان، فبات المسلمون ليلة الجمعة، و الروم فى عدد لا يحصيهم إلا الذى خلقهم، و ما المسلمون فيهم إلا أكلة جائع، فبقى المسلمون واجمين[٨] لما دهاهم[٩]، فلما أصبحوا صباح يوم الجمعة، نظر بعضهم إلى بعض، فهال المسلمين ما رأوا من كثرة العدو، و قوّتهم و آلاتهم، فأمر ألب أرسلان أن يعدّ المسلمون، فبلغوا اثنى عشر ألف
[١] - السلطان ألب ارسلان الملقب بسلطان العالم ابن داود جفرى بك بن ميكائيل بن سلجوق التركى، صاحب الممالك المتسعة ملك بعد عمه طغرل بك، كان عادلا كريما رحيما بالرعيّة كثير الصدقات و كان وزيره نظام الملك الذي سبق و عرفنا به، اغتيل سنة ٤٦٥ ه( بغية الطلب في تاريخ حلب ٤/ ١٩٧١).
[٢] - هو الملك أرمانوس، هزمه السلطان ألب أرسلان فى( ملاذ كرد) سنة ٤٦٤ ه و أسره و قمع رجاله كما فى النص.( الكامل في التاريخ ٨/ ٣٨٧).
[٣] - الكراديس طائفة عظيمة من الخيل و الجيش.
[٤] - الطرف: البصر أو العين.
[٥] - الكراع: اسم يطلق على الخيل و البغال و الحمير.
[٦] - المجانيق: جمع منجنيق و هى الآلة الحربية التى كانوا يرمون بها.
[٧] - أى الروم.
[٨] - وجم وجوما: سكت و عجز عن الكلام إما من الغيظ أو الخوف.
[٩] - دهاهم: أصابتهم داهية و الداهية هى المصيبة أو الأمر العظيم.