سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٨٥ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
الذى يسمى اليوم: (جبل طارق)، و هم فى ألف و تسعمائة رجل، فطمعت الروم فيهم، فاقتتلوا ثلاثة أيام، و كان على الروم «تدمير» استخلفه لذريق[١]- ملك الروم- و كان قد كتب إلى لذريق يعلمه أنّ قوما لا ندرى أ من الأرض أم من السماء قد وصلوا إلى بلادنا، و قد لقيتهم، فانهض إلىّ بنفسك، فأتاه لذريق فى تسعين ألف عنان، و لقيهم طارق و على خيله مغيث الرومى[٢]- مولى للوليد بن عبد الملك- فاقتتلوا ثلاثة أيام أشد قتال، فرأى طارق ما الناس فيه من الشدة، فقام فحضّهم على الصبر، و رغّبهم فى الشهادة، و بسط فى آمالهم، ثم قال: أين المفر؟ البحر من ورائكم و العدو أمامكم، فليس إلا الصّبر منكم، و النّصر من ربّكم، و أنا فاعل شيئا فافعلوا كفعلي، فو الله لأقصدنّ طاغيتهم، فإما أن أقتله، و إمّا أن أقتل دونه، فاستوثق طارق من خيله، و عرف حلية (لذريق) و علامته و خيمته، ثم حمل مع أصحابه عليه حملة رجل واحد، فقتل الله تعالى (لذريق) بعد قتل ذريع فى العدو، و حمى الله تعالى المسلمين فلم يقتل منهم كثير، و انهزم الروم، فأقام المسلمون يقتلونهم ثلاثة أيام، و احتزّ طارق رأس (لذريق) و بعث بها إلى موسى، و بعث بها موسى إلى الوليد بن عبد الملك، و سار مغيث إلى قرطبة[٣] و سار طارق إلى طليطلة[٤]، و لم يكن همّه غير المائدة[٥] التى يذكر أهل الكتاب أنها مائدة سليمان بن داود ٨، فدفع إليه ابن أخت لذريق المائدة و التاج، فقوّمت المائدة بمائتى ألف، لما فيها من الجواهر التى لم ير مثلها.
[١] - لذريق: ملك الفرنج بالأندلس و كان السابع و العشرين من ملوكهم و المشهور من القول أن طارق بن زياد قتله فى هذه الموقعة، أما( تدمير) فهو الذى استخلفه لذريق على المملكة لأنه كان قد قصد عدوا فى مكان آخر و الى هذا تنسب بلاد تدمر فى الأندلس.[ نفح الطيب ١/ ٢٤٠ و ما بعدها].
[٢] - مغيث الرومى: ليس برومى على الحقيقة بل هو مغيث بن الحارث بن الحويرث بن جبلة بن الأيهم الغسانى، سبى من الروم و هو صغير ثم ادّبه الخليفة عبد الملك بن مروان مع ولده و أنجب و صار منه( بنو مغيث) من سادات قرطبة، و كان وجّهه عبد الملك إلى الأندلس مع طارق بن زياد فقدمه طارق لفتح قرطبة مع سبعمائة فارس و فتحها سنة ٩٢ ه و أسر ملكها و بقى نسله فى قرطبة مات نحو سنة ١٠٠ ه( الأعلام ٧/ ٢٧٦).
[٣] - قرطبة: عاصمة الدولة الأموية فى الأندلس و عاصمة بنى هود من ملوك الطائف.
[٤] - طليطلة: تقع جنوب مدريد، اشتهرت فى الأندلس عاصمة لبنى ذى النون من ملوك الطوائف و اشتهرت كمركز عالمى لصناعة السيوف الرماح.
[٥] - ذكر ابن خلكان فى كتابه وفيات الأعيان ٥/ ٣٢٣ و ما بعدها أصل خبر بيت الحكمة و المفاتيح على بابه و بداخله هذه المائدة، فانظر إليها، و كذلك المقري التلمساني في نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ١/ ٢٤٣- ٢٤٥.