سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٦٢ - فصل فى بعض الحكايات عن الفرج بعد الشدة
كثيرا، و إن شئت عرضنا عليه أن يعيده عليك؟ فقال: ما أبكى لذلك، و إنما أبكى لأنّى أعلم أنّه قد حان أجلى، فإنه ما كان بقى أمل أؤمّله و لا أمنية أتمناها، إلا أن يأتينى الله بصاحب هذا المال فيأخذه، فلما قضى الله تعالى ذلك بفضله، و لم يبق لى أمل، علمت أنه قد حان أجلى، قال الشيخ أبو ذر:
فما انقضى شهر حتى توفى و صلّينا عليه.
قال القاضى[١] و حدثنى أبو القاسم بن الحسين بالموصل[٢] قال: لقد جرت هاهنا فى هذا المسجد، و هذه الدار، و هذا الحانوت- و أشار إليه- قصة عجيبة: كان يسكن هذه الدار رجل من التجار، ممّن يسافر إلى الكوفة فى تجارة الخزّ[٣]، فبينما هو يحمل الخزّ فى خرجه على حماره و هو جميع ماله نزلت القافلة، فأراد إنزاله عن الحمار فثقل عليه، فأمر إنسانا هناك فأعانه على إنزاله، ثم جلس يأكل، فاستدعى ذلك الرجل ليأكل معه، فأجابه و أكل معه، ثم سأله عن أمره؟ فأخبره أنه رجل خرج من الكوفة لأمر أزعجه دون زاد، فقال له الرجل:
تكون معى و تعينني على سفرى، و يكون طعامك عندى؟ فقال الرجل: إنى حريص على خدمتك، و محتاج إلى طعامك، فسار معه فى طريقه، فخدمه على أحسن حال، قال: فوصلا تكريت[٤]، فنزلت الرّفقة[٥] خارج المدينة، و دخل الناس لقضاء حوائجهم، فقال الرجل للخادم: احفظ رحلنا حتى أدخل و أشترى حاجتنا، ثم دخل و قضى حوائجه، فأبطأ هناك، ثم خرج فلم يجد الرّفقة، و لا وجد صاحبه، فظنّ أنّه لما رحلت الرّفقة رحل معها، فلم يزل يسعى حتى وصل إلى الرّفقة بعد الجهد، فسألهم عن صاحبه؟ فقالوا: ما جاء معنا و لا رأيناه، و لكنه ارتحل الأسباب[٦] على الحمار و دخل على أثرك، و ظنناك أمرته بذلك.
فكرّ الرجل راجعا إلى تكريت، و سأل عنه فلم يجد له أثرا، و لا سمع له
[١] - يعنى أبو الوليد الباجى و المعروف عنه أنه تنقل فى الأمصار و كان منها الموصل التى عاش فيها سنة قبل عودته لبلاده الأندلس، و قد سبقت ترجمته.
[٢] - أبو القاسم بن الحسين بن ميمون، من رواة الحديث الثقات( تهذيب مستتر الأوهام لابن ماكولا ١/ ١٥٠). و الموصل مدينة في العراق.
[٣] - الخز: الحرير أو ما نسج من صوف أو حرير.
[٤] - تكريت: مدينة فى العراق على شاطئ دجلة الأيمن شمالى سامراء قاعدة محافظة كانت موطن صلاح الدين الأيوبى، هدمها تيمور لنك.
[٥] - أي الرفاق في القافلة.
[٦] - ارتحل الأسباب: وضع على الحمار الرحل.