سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٣١ - الباب الثانى و الأربعون فى بيان الخصلة التى تصلح بها الرعية
و قال مردك الفارسى[١]: خلّتان فى السلطان أقرب إلى صلاح الرعية مما سواهما: ثقة الرأى، و شدة الرحمة.
و ما أحقّ السلطان أن يسلك بالرّعية كلّ سبيل يصلحون عليه، و يسودون معه، فحينئذ يكون رئيس الرؤساء، و أميرا على السادة و الفضلاء، و إن أهملهم و ركوب شهواتهم و توسّط لذّاتهم، ذهبت أديانهم، و سقطت مروآتهم، و بقوا- كما جاء المثل- فى الجماعة المذمومة، تقول العرب فى القوم لا رؤساء فيهم و لا سروات بينهم: (هم سواسية كأسنان الحمار)، و تقول: (سواسية كأسنان المشط) و فيهم يقول الشاعر:
|
سواس كأسنان الحمار فلا ترى |
لذى شيبة منهم على ناشئ فضلا |
|
و لأن يكون أميرا على الفضلاء و الرؤساء خير من أن يكون أميرا على الاخسّاء و الرمادية[٢] و الغوغاء[٣] و الأدنياء[٤].
و قد قال عبد الملك بن مروان يوما، و قد استقام له الأمر: من يعذرنى من عبد الله بن عمر؟ فإنه أبى أن يدخل فى سلطانى، فقال بعض جلسائه: تستحضره و تضرب عنقه، و تستريح منه، فقال عيد الملك: ويلك، إذا قتلت ابن عمر، على من أكون أميرا؟
و لما صار داود[٥] إلى الحجاز فى الدولة العباسية ليقتل من هناك من بنى
[١] - مردك أو مزدك الفارسى: صاحب مذهب عند الفرس ظهر على أيام الكسرى قباذ بن فيروز والد كسرى أنوشروان، و من مبادئه التى نادى بها: أن الله تعالى جعل الأرض للعباد بالسوية و نحن قاسمون بين الناس و رادّون على الفقراء حقوقهم فى أموال الأغنياء، فجعل أتباعه يدخلون على الرجل فيغلبونه فى منزله و نسائه و أمواله، و لكن قام عليه جماعة الملك قباذ و قتلوه و أعادوا الحكم إلى قباذ( انظر: المعارف لابن قتيبة ص ٦٦٣).
[٢] - هذه صفات السّفلة من الناس و الأخسّاء منهم الرمادية من الرماد و الرماد الهلاك أو ما يتبقى من المواد المحترقة بعد احتراقها، و الرمد من الثياب الوسخ و منها عام الرمادة الذى هلك فيه الناس من الجوع حيث يقال ايضا: أرمد الرجل: أى افتقر.
[٣] - الغوغاء: السفلة من الناس و المتسرعين فى الشر، و تستعمل العامة كلمة الغوغاء للجلبة و اللغط.
[٤] - و الدنيء: الذليل الخسيس الناقص.
[٥] - داود بن على بن عبد الله بن العباس: أبو سليمان، عم أبو العباس السفّاح، كان خطيبا فصيحا و من كبار الثائرين على بنى أمية، تولى إدارة الكوفة لما ظهر العباسيون ثم ولاه إمارة المدينة فكان أول من ولى المدينة من بنى العباس و أول من أقام الحج للناس فى ولاية العباسيين و مات بالمدينة سنة ١٣٣ ه.
( الأعلام ٢/ ٣٣٣).