سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٢٩ - الباب الثانى و الأربعون فى بيان الخصلة التى تصلح بها الرعية
حتى تغيرت عليه نفوس الخلق، و تنكرت له وجود الورى، فلما بلغ الأمين، حبسه ثم أطلقه، بعد أن أخذ عليه، أن لا يشرب خمرا، و لا يقول فيه شعرا.
فمتى أراد السلطان إصلاح رعيته، و هو متماد على سيئ أخلاقه، كان كمن أراد بقاء الجسد مع فقد رأسه، أو أراد استقامة الجسم مع عدم حياته، و كمن أراد تقويم الضلع مع اعوجاج الشخص، و كيف يحيا النون[١] مع فساد الماء.
و لقد أصاب الخليل[٢] فى قوله: اصلح نفسك لنفسك يكون الناس تبعا لك.
و قديما قيل: من أصلح نفسه أرغم أنف أعدائه، و من أعمل جدّه بلغ كنه أمانيه.
و سئل بعض الحكماء: بم ينتقم الإنسان من عدوه؟ فقال: بإصلاح نفسه.
و لأبى الفتح البستى[٣]:
|
إذا غدا ملك باللّهو مشتغلا |
فاحكم على ملكه بالويل و الحرب[٤] |
|
|
أما ترى الشمس فى الميزان هابطة |
لما غدا و هو برج اللهو و الطرب[٥] |
|
و صحبة الأشرار تورث الشر، كالريح إذا مرت على النّتن حملت نتنا، و إذا مرت على الطّيب حملت طيبا، كقول الشاعر[٦]:
|
لا تشرب الرّاح مع من لا خلاق له |
و اختر لنفسك حرّا طيب السّلف |
|
|
فالرّاح كالرّيح إن مرّت على عطر |
طابت، و تخبث إن مرّت على الجيف |
|
فمحال استصلاح رعيتك و أنت فاسد، و إرشادهم و أنت غاو، و هدايتهم و أنت ضال. و قد سبق المثل: (و من العجائب أعمش كحّال)[٧] و تقول العرب: يا طبيب طبّ نفسك).
[١] - النون: الحوت و قد لقب يونس ٧ بذى النون لأن الحوت ابتلعه ثم رماه على الشاطئ كما هو معروف فى قصته ٧.
[٢] - الخليل بن أحمد: أشهر علماء اللغة و واضع علم العروض، من اهل البصرة، معلم سيبويه و الأصمعى توفى نحو ١٧٠ ه
[٣] - أبو الفتح البستى: كان شاعر عصره و قد سبقت ترجمته.
[٤] - الحرب: الويل و الهلاك.
[٥] - الميزان: أحد أبراج السماء و هى اثنا عشر برجا منها الميزان، و يقال: استقام ميزان النهار أي انتصف.
[٦] - سقطت هذه الأبيات من( ط).
[٧] - الأعمش: من ضعف بصره مع سيلان دمعه فى أكثر الأوقات.