سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٣٠ - الباب الثانى و الأربعون فى بيان الخصلة التى تصلح بها الرعية
و كيف يقدر الأعمى على أن يهدي، و الفقير على أن يغني، و الذليل على أن يعزّ؟
فبعدك عن تطهير غيرك من العيوب قبل تطهير نفسك، كبعد الطبيب عن إبراء غيره من داء به مثله.
و قال بعض حكماء الهند: لن يبلغ ألف رجل فى إصلاح رجل واحد، بحسن القول دون حسن الفعل، كما يبلغ رجل واحد فى إصلاح ألف رجل بحسن الفعل دون القول، و فيه قال القائل[١]:
|
يا أيّها الرجل المعلّم غيره |
هلّا لنفسك كان ذا التعليم |
|
|
تصف الدواء من السّقام لذى الضّنى |
كيما يصحّ به و أنت سقيم |
|
|
ما زلت تلقح بالرّشاد عقولنا |
عظة و أنت من الرّشاد عديم |
|
|
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها |
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم |
|
|
فهناك يقبل ما تقول و يقتدى |
بالرأى منك و ينفع التعليم |
|
|
لا تنه عن خلق و تأتى مثله |
عار عليك إذا فعلت عظيم |
|
و لكن أقوى الأسباب فى صلاحهم، عند فوت صلاحه، استعماله عليهم الخاصة منهم، و ذوى الأحلام[٢] و المروآت القائمة و الأذيال الطاهرة، فمتى رأس العامة سراتهم، فهو الطريق إلى حفظ أديانهم، و مروآتهم، و تماسكهم عن الانهماك فى المحظورات، و ملابسة المحرمات، و قال الشاعر:
|
تهدي الأمور بأهل الرأي ما صلحوا |
فإن تولّوا فبالأشرار تنقاد[٣] |
|
|
لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم |
و لا سراة إذا جهّالهم سادوا[٤] |
|
[١] - قائل هذه الأبيات هو أبو الأسود الدؤلى، ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلى، واضع علم النحو العربى، و يعد من الفقهاء و الشعراء و الأمراء و الأعيان و هو من التابعين و من أنصار على بن أبى طالب شهد معه صفين و توفى فى البصرة سنة ٦٩ ه
[٢] - فى( خ) ذوى الأحلام الراجحة.
[٣] - سقط هذا البيت من( ط).
[٤] - قائل هذا البيت: هو الأفوه الأودى( صلاءة بن عمرو بن مالك) الشاعر اليمانى الجاهلى، سيد قومه و قائدهم فى حروبهم، و من حكماء الجاهلية المشهورين فى عصره توفى نحو سنة ٥٧٠ م قبل الهجرة. و معنى السراة: السادة و القادة.