سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٣٣ - الباب السابع و العشرون في المشاورة و النصيحة
و كان يقال: من كثرت استشارته، حمدت إمارته.
و في حكم الهند، قال بعض الملوك: إن الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة[١]، كما يزداد البحر بموادّه من الأنهار، و ينال بالحزم و الرأي ما لا يناله بالقوّة و الجند، و لم تزل حزمة الرجال يستحلون مرائر[٢] قول النّصحاء، كما يستحلي الجاهل المساعدة على الهوى.
و قال المأمون لطاهر بن الحسين[٣]: صف لي أخلاق المخلوع- يعني أخاه الأمين- فقال: كان واسع الصدر، ضيّق الأدب، ينتج من نفسه ما تأباه همم الأحرار، لا مصغيا إلى نصيحة، و لا يقبل مشورة، يستبد برأيه فيرى سوء عاقبته، فلا يردعه ذلك عما يهمّ به قال فكيف حروبه؟ قال: يجمع الكتائب بالتبذير و يفرّقها بسوء التدبير، فقال المأمون: لذلك ما حلّ محلّه، أما و الله لو ذاق لذاذة النصائح و اختار مشورة الرجال، و ملك نفسه عند شهوتها، ما ظفر به.
و قال بعضهم: إنقاذ الملوك الأمور بغير رويّة كالعبادة بغير نية، و لم تزل العقلاء على اختلاف آرائهم، يشهدون العيوب، و يستثيرون صواب الرأي من كل أحد، حتى الإمعة الوعك[٤].
هذا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يقول: رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي.
و كان يقال: من أعطي أربعا لم يمنع أربعا: من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، و من أعطي التوبة لم يمنع القبول، و من أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة، و من أعطي المشورة لم يمنع الصواب.
و قال بعضهم: خمير الرأي خير من فطيره، و تأخيره خير من تقديمه.
[١] - الحزمة: جمع حازم.
[٢] - مرائر: جمع مر.
[٣] - طاهر بن الحسين: من كبار الوزراء و القواد، أدبا و حكمة و شجاعة، و هو الذي وطد الملك للمأمون بن الرشيد، الخليفة العباسي، حيث أنه هو الذي قتل الأمين لما مات الرشيد و عقد البيعة للمأمون و لذلك بقي في نفس المأمون شيء عليه لأنه قتل أخاه دون استشارته و لعله شعر بذلك فقد قطع خطبة المأمون لما استقر في خراسان فقتله أحد غلمانه في تلك الليلة سنة ٢٠٧ ه.( الأعلام ٣/ ٢٢١).
[٤] - ورد ذكر الإمعة في الحديث و هو الذي يكون مع الناس إن أحسنوا أحسن و إن أساءوا أساء و الوعك هو الذي أصابته و عكة و شدة و في( خ) الأمة الوعكاء.