سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٣٢ - الباب السابع و العشرون في المشاورة و النصيحة
الباب السابع و العشرون في المشاورة و النصيحة
و هذا الباب مما يعدّه الحكماء من أساس المملكة، و قواعد السّلطنة، و يفتقر إليه الرئيس و المرءوس، و قد ذكرناه في باب الخصال الفرقانية، و نذكر هاهنا فوائدها و محاسنها.
اعلموا أن المستشير، و إن كان أفضل رأيا من المشير، فإنّه يزداد برأيه رأيا، كما تزداد النار بالسّليط[١] ضوءا، فلا يقذفنّ في روعك أنك إذا استشرت الرجال، ظهر للنّاس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فيمنعك ذلك عن المشاورة، فإنّك لا تريد الرأي للفخر به، و لكن للانتفاع به، فإن أردت الذّكر كان أفخر لذكرك، و أحسن عند ذوي الألباب لسياستك أن يقولوا: لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوانه.
و لا يمنعك عزمك على إنفاذ رأيك، و ظهور صوابه لك عن الاستشارة، أ لا ترى أن إبراهيم ٧، أمر بذبح ابنه عزمة[٢] لا مشورة فيها، فحمله حسن الأدب، و علمه بموقعه في النّفوس على الاستشارة فيه، فقال فيه: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى [الصافات: ١٠٢] و هذا من أحسن ما يرسم في هذا الباب.
و قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الرأي الفرد كالخيط السحيل[٣]، و الرأيان كالخيطين، و الثلاثة آراء لا تكاد تنقطع.
و يروى أن روميا و فارسيّا تفاخرا، فقال الفارسيّ: نحن لا نملّك علينا من يشاور، و قال الروميّ، و نحن لا نملّك علينا من لا يشاور.
و قال بزرجمهر: إذا أشكل الرأي على الحازم كان بمنزلة من أضلّ لؤلؤة، فجمع ما حول مسقطها، فالتمسها فوجدها، كذلك الحازم، يجمع وجوه الرأي في الأمر المشكل، ثم يضرب بعضها ببعض حتى يخلص له الصواب.
[١] - السليط: زيت جيد يستعمل للإضاءة.
[٢] - العزمة: ما عقد العزم على فعله.
[٣] - الخيط السحيل: الحبل الذي فتل فتلا واحدا فيكون غير شديد.