سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٦٥ - و العدل ينقسم قسمين
و قال كسرى[١]: اتفقت ملوك العجم على أربع خصال: أن الطّعام لا يؤكل إلا على شهوة، و المرأة لا تنظر إلا إلى زوجها، و الملك لا يصلحه إلا الطاعة، و الرعية لا يصلحها إلا العدل،
و أحق الناس بإجبار نفسه على العدل الملوك، الذى بعدلهم يعدل من دونهم، و الذين إذا قالوا أو فعلوا، كان نافذا غير مردود.
و قالت الحكماء: رم ما شئت بالإنصاف، و أنا زعيم لك بالظّفر به، و الظلم أدعى شيء إلى تغيير نعمة أو تعجيل نقمة.
و قال الحكيم: شرّ الزّاد إلى المعاد الذنب بعد الذّنب، و شر من هذا العدوان على العباد، و متى أراد السلطان حسن الصّيت[٢]، و جميل الذكر، فليقم سوق العدل، و إن أحبّ الزّلفى عند الله[٣] و شرف المنزلة عنده، فليقم سوق العدل، و إن أحبّهما جميعا فليقم سوق العدل.
و الذى يخلد به ذكر الملوك على غابر الدهور، عدل واضح، أو جور فاضح، هذا يوجب له الرحمة، و هذا يوجب له اللعنة.
أما القسم الثانى من العدل و هو السياسة الإصلاحية:
- و إن كان أصلها على الجور- فيقوم بها أمر الدنيا، و كأنها تشاكل[٤] مراتب الإنصاف، على نحو ما كانت عليه ملوك الطوائف فى أيّام الفرس، و كانوا كفارا يعبدون النيران، و يتبعون هواجس الشيطان، فوضعوا بينهم سننا، و أسسوا لهم أحكاما، و أقاموا لهم مراتب فى النّصفة بين الرعايا، و استجباء الخراجات[٥]، و توظيف المكوس[٦] على التّجارات، كل ذلك بعقولهم على وجوه ما أنزل الله بها من سلطان، و لا نصّب عليها من برهان، بيد أنه لما جاءت الشريعة من عند الله تعالى على لسان نبيه، صاحب المعجزة محمد صلى اللّه عليه و سلم، فمنها ما أقرّته فى نصابه، و منها ما نسخته و أبطلت
[١] - كسرى: سبقت ترجمته.
[٢] - الصيت: الذكر الحسن.
[٣] - الزلفى إلى الله: التقرب إليه.
[٤] - تشاكل: تشابه.
[٥] - استجباء الخراجات: أى جباية الخراج،( المال المفروض على الأرض أو الجزية).
[٦] - المكوس: دراهم كانت تؤخذ من بائعى السلع فى أسواق الجاهلية، أو ما يأخذه أعوان الدولة عن أشياء معينة عند بيعها أو عند إدخالها المدن.