سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٦٦ - و العدل ينقسم قسمين
حكمه، فعادت الحكمة البالغة إلى الله تعالى، و الحكم بما أنزل الله، و بطل ما سواه، و كان ملكهم محفوظا برعاياتهم للقوانين المألوفة بينهم، فانقطع بذلك حبل الهمل[١]، فكانوا يقيمون بها واجب الحقوق، و يتعاطون بها ما لهم و ما عليهم، و من هذا كان يقال: إن السلطان الكافر الحافظ لشرائط السياسة الإصلاحية، أبقى و أقوى من السلطان المؤمن العدل فى نفسه، المضيّع للسياسة النبوية العدلية، و الجور المرتب أبقى من العدل المهمل، إذ لا شيء أصلح لأمر السلطان من ترتيب الأمور، و لا شيء أفسد له من إهمالها.
و اعلم أن درهما يؤخذ من الرّعية، على وجه الإهمال و الخرق[٢]- و إن كان عدلا- أفسد لقلوبها من عشرة تؤخذ منها سياسية على زمام معروف، و رسم مألوف، و إن كان جورا، فلا يقوم السلطان لأهل الإيمان و لا لأهل الكفران إلا بإقامة العدل النبوى، و ما يشبه العدل من الترتيب الاصطلاحى.
و قال ابن المقفع[٣]: الملوك ثلاثة: ملك دين، و ملك حزم، و ملك هوى.
فأما ملك الدين: فإنه إذا أقام لأهل المملكة دينهم كانوا راضيين، و كان السّاخط فيهم بمنزلة الراضى.
و أما ملك الحزم: فيقوم به الأمر، و لا يسلم من الطعن و السخط، و لن يضر طعن الذليل مع حزم القويّ.
و أما ملك الهوى: فلعب ساعة و دمار دهر.
و لقد بلغنا أن ملكا من ملوك الهند نزل به صمم، فأصبح موجعا مهتمّا بأمور المظلومين، و أنه لا يسمع استغاثتهم، فأمر مناديه أن لا يلبس فى مملكته ثوبا أحمر إلا مظلوم، و قال: لئن منعت سمعى لم أمنع بصرى، فكان كل من ظلم لبس ثوبا أحمر و وقف تحت قصره، فكشف عن ظلامته.
[١] - الهمل: الإهمال.
[٢] - الخرق: سوء التصرف و الجهل.
[٣] - عبد اللّه بن المقفع: مؤلف عربي فارسى الأصل ولد فى العراق سنة ١٠٦ ه، كان مجوسيّا و أسلم فتسمى عبد الله و كني بأبى محمد، و لقب بالمقفع لأن الحجاج ضربه حتى تقفعت يداه. و هو من من أئمة الكتاب، ترجم كتب أرسطو الثلاثة فى المنطق للخليفة المنصور، و ترجم عن الفارسية كتاب« كليلة و دمنة»، اتّهم بالزندقة فقتله أمير البصرة بأمر من المنصور سنة ١٣٨ ه.( الأعلام ٤/ ١٤٠، وفيات الأعيان ٢/ ١٥١).