سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٤٣ - الباب الخامس فى فضل الولاة و القضاة إذا عدلوا
و مقامه عند الله كريما، كما كان نفعه عميما[١]، و على قدر عموم المنفعة تشرف الأعمال، و على قدر النعمة تكون المنّة، أ لا ترى أنّ الأنبياء :، أعمّ خلق الله نفعا؟ فهم أجلّ خلق الله قدرا، لأنّهم تعاطوا إصلاح الخلائق، و إخراجهم من الظلمات إلى النور، كذلك سلطان الله فى الأرض، هو خلافة النبوّة فى إصلاح الخلائق، و دعائهم إلى فناء الرحمن و إقامة دينهم، و تقويم أودهم[٢]، و ليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبيّ مرسل، أو ملك مقرّب، فاتّخذ عظم قدر السلطان عندك حجّة لله تعالى على نفسك، و ناصحه على قدر ما نفعك، و ليس نفعه مقصورا على عجالة من حطام الدنيا يحبوك[٣] بها، و لكنّ صيانة جمجمتك، و حفظ حريمك، و حراسة مالك عن البغاة، أعم نفعا لك إن عقلت[٤]، و ليس للّه فى الأرض سلطان إلا و قد أخذ عليه شرائط العدل، و مواثيق الإنصاف، و شرائع الإحسان، و كما أنه ليس فوق رتبة السلطان العادل رتبة، كذلك ليس دون رتبة السلطان الشّرير الجائر رتبة لشرير، لأن شرّه يعم، كما أن خير الأوّل يعم.
و كما أن بالسلطان العادل، تصلح البلاد و العباد، و تنال الزّلفى إلى الله تعالى، و الفوز بجنة المأوى، كذلك بالسلطان الجائر تفسد البلاد و العباد، و تقترف المعاصى و الآثام، و تورث دار البوار[٥]، و ذلك أنّ السلطان إذا عدل، انتشر العدل فى رعيته، فأقاموا الوزن بالقسط، و تعاطوا الحقّ فيما بينهم، و لزموا قوانين العدل، فمات الباطل، و ذهبت رسوم الجور، و انتعشت قوانين الحق، فأرسلت السماء غيثها، و أخرجت الأرض بركاتها، و نمت تجاراتهم، و زكت زروعهم، و تناسلت أنعامهم، و درّت أرزاقهم، و رخصت أسعارهم، و امتلأت أوعيتهم، فواسى البخيل و أفضل الكريم[٦]، و قضيت الحقوق، و أعيرت المواعين، و تهادوا فضول الأطعمة و التحف، فهان الحطام لكثرته، و ذلّ بعد عزّته، فتماسكت على الناس مروءاتهم، و انحفظت عليهم أديانهم.
[١] - فى( خ) كما كان نفعه للعباد عميما.
[٢] - الأود: الكد و التعب، يقال: قام بأود عائلته: أى قام باعالتها.
[٣] - يحبوك بها: يعطيك إياها، الحبوة: العطية.
[٤] - عقلت: ادركت.
[٥] - البوار: الهلاك، دار البور: جهنم.
[٦] - واسى البخيل: أى أطعم من ماله، و أفضل الكريم: زاد في إحسانه.