سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١١٩ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
أطوع لله منك، و أن الله تعالى أمر عباده بالشّكر، و ليس الشكر باللسان، و لكنّه بالفعال و الإحسان، قال الله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ:
١٣]. و اعلم أنّ هذا الملك الذي أصبحت فيه إنما صار إليك بموت من كان قبلك، و هو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك، فاتّق الله فيما خوّلك من هذه الأمّة، فإنّ الله سائلك عن النقير و القطمير[١]، قال الله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، و قال تعالى: وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧].
و اعلم أيها الملك: أن الله تعالى، قد آتى ملك الدنيا بحذافيرها سليمان بن داود ٨، فسخّر له الإنس و الجن و الشياطين، و الطير و الوحش و البهائم، و سخّر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ثم رفع عنه حساب ذلك أجمع، فقال له: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ص: ٣٩]، فو الله ما عدّها نعمة كما عددتموها، و لا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن تكون استدراجا من الله تعالى و مكرا به، فقال: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: ٤٠].، فافتح الباب، و سهّل الحجاب، و انصر المظلوم، أعانك الله على ما قلّدك، و جعلك كهفا للملهوف، و أمانا للخائف، ثم أتممت المجلس بأن قلت: قد دوّخت البلاد شرقا و غربا، فما اخترت مملكة تزوّجت فيها، و ولد لي فيها، غير هذه المملكة، ثم أنشدت شعرا:
|
و النّاس أكيس من أن يحمدوا رجلا |
حتى يروا عنده آثار إحسان[٢] |
|
و كتب حكيم إلى حكيم: إني سائلك عن ثلاثة أشياء، إن أجبت عنها صرت لك تلميذا: أيّ الناس أولى بالرحمة؟ و متى تضيع أمور الناس؟ و بم تتلقّى النعمة من الله تعالى.
فكتب إليه: أن أولى النّاس بالرّحمة ثلاثة: البرّ[٣] يكون في سلطان الفاجر، فهو الدهر حزين[٤] لما يرى و يسمع، و العاقل يكون في تدبير
[١] - النقير: النقرة التي في ظهر النواة. القطمير: القشرة الرقيقة التي تغطي نواة التمر. الفتيل:
ما يكون في شق النواة( و كلها دلالة على الشيء الصغير).
[٢] - أكيس: اسم تفضيل و العامة تقول:[ أكوس]، و الكيّس هو الفطن و الحسن الفهم و الأدب.
[٣] - البرّ و البار: هو الصادق الصالح و المحسن الكثير البرّ.
[٤] - هو الدهر حزين: أي يكون طوال الدهر حزينا.