سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١١٤ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
و يروى أنّ الحسن بن محمد بن الحسين[١] رضي اللّه عنهم، دخل على عمر بن عبد العزيز، فقال له: يا عمر، ثلاث من كنّ فيه فقد استكمل الإيمان، فقال له عمر: إيه أهل بيت النبوة و معدن الرسالة- و جثا على ركبتيه-، فقال الحسن: من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، و من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، و من إذا قدر لم يتناول ما ليس له.
و لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، وفدت عليه الوفود من كل بلد، فوفد عليه الحجازيون، فقدّم غلام منهم للكلام، و كان حديث السن، فقال له عمر: لينطق من هو أسنّ منك، فقال الغلام: أصلح اللّه أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه قلبه و لسانه، فإذا منح اللّه عبدا لسانا لافظا، و قلبا حافظا، فقد استحقّ الكلام، و عرف فضله من سمع خطابه، و لو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسنّ، لكان في الأمة من هو أحقّ بمجلسك هذا منك، فقال:
صدقت، قل ما بدا لك. فقال الغلام: أصلح اللّه أمير المؤمنين، نحن وفد تهنئة لا وفد مرزئة[٢]، و قد أتيناك لمنّ اللّه[٣] الذي منّ علينا بك، و لم يقدمنا إليك رغبة و لا رهبة، أما الرغبة فقد اتتنا منك إلى بلادنا[٤]، و أمّا الرّهبة فقد أمنّا جورك بعدلك. فقال له عمر: عظني يا غلام، فقال الغلام:
أصلح الله أمير المؤمنين، إن ناسا من الناس، غرّهم حلم الله عنهم، و طول أملهم، و كثرة ثناء الناس عليهم، فزلّت بهم الأقدام، فهووا في النار، فلا يغرنّك حلم الله عنك، و طول أملك، و كثرة ثناء الناس عليك، فتزلّ بك قدمك فتلحق بالقوم، فلا جعلك اللّه منهم، و ألحقك بصالحي هذه الأمة، ثم سكت. فسأل عمر الغلام عن سنّه، فإذا هو ابن إحدى عشرة سنة، ثم سأل عنه، فإذا هو من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب طالب، رضي الله عنهم، فتمثّل عمر عند ذلك، فقال:
|
تعلّم فليس المرء يولد عالما |
و ليس أخو علم كمن هو جاهل |
|
|
و إنّ كبير القوم لا علم عنده |
صغير إذا التفّت عليه المحافل |
|
[١] - في( خ) الحسن بن محمد بن الحسن( من أحفاد علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم أجمعين).
[٢] - المرزئة: المصيبة العظيمة، يريد أن يقول: إن الوفد للتهنئة لا لطلب العطايا.
[٣] - منّ الله: شكره و امتنانه.
[٤] - هكذا في( خ)، و في( ط) فقد أتيناك من بلادنا. و قد وردت هذه الحكاية في كتاب( جمهرة خطب العرب ٢/ ٤١٩) و فيها اسم الغلام و نسبه مع اختلاف في بعض الألفاظ.