سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٠٨ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
أعني دين العباد. قال: إن ربّي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أصدّق وعده، و أطيع أمره، فقال تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٦- ٥٨].
فقال له: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك، و تقوّ بها على عبادة ربّك. فقال: سبحان الله! أنا أدلّك على النجاة و تكافئني بمثل هذا، سلّمك الله و وفّقك؟ ثم صمت فلم يكلّمنا، فخرجنا من عنده، فقال لي هارون: إذا دللتني على رجل، فدلّني على مثل هذا، هذا سيّد المسلمين اليوم.
و روي أن امرأة من نسائه[١] دخلت عليه، فقالت له: يا هذا! قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال ففرّجنا به، فقال: إنّما مثلي و مثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه، فأكلوا لحمه. موتوا يا أهلي جوعا و لا تذبحوا فضيلا. فلما سمع الرشيد ذلك، قال:
ادخل، فعسى أن يقبل المال. قال: فدخلنا، فلما علم بنا الفضيل، خرج و جلس على التراب على السطح، فجاء هارون الرشيد فجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء، فقالت:
يا هذا، قد آذيت الشيخ هذه الليلة، فانصرف يرحمك الله، فانصرفنا.
و وعظ شبيب بن شيبة[٢] المنصور[٣]، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يجعل فوقك أحدا، فلا تجعل فوق شكر الله شكرا.
و دخل عمرو بن عبيد[٤] على المنصور فقرأ: وَ الْفَجْرِ. وَ لَيالٍ عَشْرٍ حتى بلغ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ[٥]، لمن فعل مثل فعالهم[٦] فاتّق الله يا
[١] - أي: من نساء الفضيل بن عياض.
[٢] - شبيب بن شيبة: أبو معمر، أديب الملوك و نديم الخلفاء و جليس الفقراء و أخو المساكين، من أهل البصرة، خطيب فصيح و شريف من الدهاة، توفي سنة ١٧٠ ه.( الأعلام ٣/ ١٥٦).
[٣] - أبو جعفر المنصور: الخليفة العباسي الثاني، سبقت ترجمته.
[٤] - عمرو بن عبيد: أبو عثمان البصري، زاهد مشهور، شيخ المعتزلة في عصره، ولد في بلخ و عاش في البصرة، اشتهر بعلمه و زهده و أخباره مع المنصور، و قد قدّمه المنصور، و لما توفي رثاه، و توفي سنة ١٤٤ ه( الأعلام ٥/ ٨١).
[٥] - الآيات الأولى من سورة الفجر حتى الآية رقم-.
[٦] - أي أن اللّه تعالى يرقب أعمال من فعل مثل فعال قوم عاد و ثمود و فرعون و غيرهم يحصيها عليهم و يحكم فيهم بعدله.