سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٠٧ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
و إني لأقول لك هذا، و إني لأخاف عليك أشدّ الخوف يوم تزلّ الأقدام، فهل معك- رحمك الله- مثل هؤلاء القوم من يأمرك بمثل هذا؟
فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه، فقلت: ارفق بأمير المؤمنين.
فقال: يا ابن أم الربيع، قتلته أنت و أصحابك و أرفق به أنا.
ثم أفاق، فقال: زدني، فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أنّ عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه سهرا، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: يا أخي اذكر سهر أهل النار في النار، و خلود الأبد، فإنّ ذلك يطرد بك إلى ربك نائما أو يقظان، و إياك أن تزلّ قدمك عن هذا السبيل فيكون آخر العهد بك، و منقطع الرجاء منك. فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليك، فقال له عمر: ما أقدمك؟ قال: لقد خلعت قلبي بكتابك، لا ولّيت لك ولاية أبدا حتى ألقى الله تعالى. فبكى هارون بكاء شديدا.
ثم قال: زدني، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عمّ النبي صلى اللّه عليه و سلم جاءه فقال: يا رسول الله، أمّرني على إمارة، فقال له النبي صلى اللّه عليه و سلم: «يا عباس يا عمّ النبي، نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها، إن الإمارة حسرة و ندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل»[١]، فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا.
ثم قال: زدني يرحمك الله، قال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله تعالى عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، و إياك أن تصبح و تمسي و في قلبك غشّ لرعيّتك، فإنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم قال:
«من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنّة»[٢] فبكى هارون بكاء شديدا.
ثم قال: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربّي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، و الويل لي إن ناقشني، و الويل لي إن لم يلهمني حجّتي، قال: إنما
[١] - أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى في ترجمة العباس بن عبد المطلب عن الضحاك بن حمزة مرسلا( ج ٤/ ص ٢٧)، و الجزء الثاني من الحديث رواه الطبراني في الكبير عن شداد بن أوس( كنز العمال ج ٦/ ١٤٧٠٠).
[٢] - رواه مسلم بلفظ:( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت و هو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)، و في رواية( فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة)، و الحديث صحيح،( الجامع الصغير ج ٢/ ١٥١).