سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٠٦ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «ليس للمؤمن أن يذلّ نفسه»[١]، ثم نزل ففتح الباب، ثم ارتقى الغرفة فأطفأ السراج، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة، فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كفّ الرّشيد كفّي إليه. فقال: أوّاه[٢] من كفّ ما ألينها إن نجت غدا من عذاب اللّه تعالى. قال: فقلت في نفسي ليكلّمنّه الليلة بكلام نقي من قلب تقي. فقال: [خذ لما جئناك له] يرحمك اللّه. قال: و فيم جئت؟ حملت على نفسك، و جميع من معك حملوا عليك، حتى لو سألتهم عند انكشاف الغطاء عنك و عنهم أن يتحملوا عنك شقصا[٣] من ذنب ما فعلوا، و لكان أشدّهم حبا لك أشدّهم هربا منك. ثم قال: إن عمر ابن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا [سالم بن عبد اللّه[٤] و محمد بن كعب القرظي[٥] و رجاء بن حيوة[٦]]، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا عليّ- فعدّ الخلافة بلاء، و عددتها أنت و أصحابك نعمة- فقال سالم ابن عبد الله: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله، فصم عن الدنيا، و ليكن إفطارك فيها الموت.
و قال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب اللّه غدا فليكن كبير المسلمين لك أبا، و أوسطهم عندك أخا، و أصغرهم ولدا، فبرّ أباك، و ارحم أخاك، و تحنّن على ولدك.
و قال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة من عذاب اللّه غدا، فأحبّ للمسلمين ما تحبّ لنفسك، و اكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متى شئت متّ.
[١] - رواه الترمذي عن حذيفة بن اليمان بلفظ[ لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه]، و قال: حديث غريب. كما رواه( ابن ماجة في الفتن)، و( الإمام أحمد في مسنده ج ٥/ ٤٠٥).
[٢] - أوّاه: كلمة تقال عند الشكاية و التوجع.
[٣] - الشّقص: النصيب أو السهم.
[٤] - سالم بن عبد اللّه: سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب. أحد فقهاء المدينة السبعة، من سادات التابعين و علمائهم و ثقاتهم، توفي سنة ١٠٦ ه.( الأعلام ٣/ ٧١).
[٥] - محمد بن كعب القرظي: أبو حمزة، كان صالحا عابدا عالما بتفسير القرآن الكريم، و من أفاضل أهل المدينة، و كانت وفاته سنة ١٠٨ ه، و قيل: ١١٧ ه( تهذيب التهذيب لابن حجر ٩/ ٣١٣).
[٦] - رجاء بن حيوة: رجاء بن حيوة بن جرول الكندي، ولد في بيسان بفلسطين، و أقبل على طلب العلم، فكان راجح العقل و شيخ الشام في عصره، وزّر لطائفة من خلفاء بني أمية ابتداء من عبد الملك ابن مروان، و انتهاء بعمر بن عبد العزيز، و لكن صلاته بسليمان بن عبد الملك و عمر بن عبد العزيز فاقت صلاته بمن سبقهما من الخلفاء، توفي سنة ١١٢ ه( الأعلام ٣/ ١٧).