سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٠٤ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
يا أمير المؤمنين: ناشدتك الله أن تقدم إلى جنة عرضها السموات و الأرض، و قد دعيت إليها و ليس لك فيها نصيب.
يا أمير المؤمنين: إنّك تموت وحدك، و تحاسب وحدك، و إنك لا تقدم إلا على نادم مشغول، و لا تخلف إلا مفتونا مغرورا، و إنك و إيّانا فى دار سفر، و جيران ظعن[١].
و لما حجّ سليمان بن عبد الملك استحضر أبا حازم[٢] فقال له: تكلّم يا أبا حازم، فقال: فيم أتكلم؟ قال: في الخروج من هذا الأمر. قال: يسير إن أنت فعلته، قال: و ما ذاك؟ قال: لا تأخذ الأشياء إلا بحقّها، و لا تضعها إلا في أهلها، قال: و من يقوى على ذلك؟ قال: من قلّده الله من الأمر ما قلّدك. قال:
عظني يا أبا حازم، قال: يا أمير المؤمنين: إنّ هذا الأمر لم يصل إليك إلا بموت من كان قبلك، و هو خارج عنك بمثل ما صار إليك، ثم قال: يا أمير المؤمنين، نزّه ربّك في عظمته عن أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك. يا أمير المؤمنين: إنّما أنت سوق[٣]، فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر، فاختر لنفسك أيّهما شئت.
قال: فما لك لا تأتينا؟ قال: و ما أصنع بإتيانك؟ إن أدنيتني فتنتني، و إن أقصيتني[٤] أحزنتني، و ليس عندى ما أخافك عليه، و لا عندك ما أرجوك له.
قال: فارفع إلينا حوائجك. قال: قد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها[٥]، فما أعطاني منها قبلت، و ما منعني منها رضيت، يقول الله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الزخرف: ٣٢]، فمن ذا الذي يستطيع أن ينقص من كثير ما قسم الله، أو أن يزيد في قليل ما قسم الله.
قال: فبكى سليمان بكاء شديدا. فقال رجل من جلسائه: أسأت إلى أمير المؤمنين. قال أبو حازم: اسكت، فإن الله تعالى أخذ ميثاق العلماء ليبيّننّه للنّاس و لا يكتمونه. ثم خرج من عنده، فلما وصل إلى منزله، بعث إليه بمال، فردّه، و قال للرسول: قل له: يا أمير المؤمنين؛ و الله ما أرضاه لك، فكيف أرضاه لنفسي؟!
[١] - ظعن: راحلون، يقال: ظعنوا عن ديارهم: رحلوا عنها.
[٢] - استحضر أبا حازم: أي أمر بحضوره، و أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج، سبق تعريفه.
[٣] - أنت سوق: أي أنت مثل السوق التي يباع فيها.
[٤] - أدنيتني: قرّبتني. أقصيتني: أبعدتني.
[٥] - رفعها لمن هو أقدر منه: أي طلب حاجته من الله سبحانه و تعالى.