سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٠٣ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
و قال سفيان الثوري[١]: لما حجّ المهدي[٢] قال: لا بدّ لي من سفيان، فوضعوا لي الرّصد حول البيت، فأخذوني بالليل، فلما مثلت بين يديه أدناني، ثم قال: لأيّ شيء لا تأتينا فنستشيرك في أمرنا، فما أمرتنا من شيء صرنا إليه، و ما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه؟ فقلت له: كم أنفقت في سفرك هذا؟ قال: لا أدري، لي أمناء و وكلاء، قلت: فما عذرك غدا إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حجّ، قال لغلامه: كم أنفقنا في سفرنا هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر دينارا، قال: ويحك، أجحفنا ببيت مال المسلمين.
و قال الزهري[٣]: ما سمعت بأحسن من كلام تكلّم به رجل عند سليمان ابن عبد الملك[٤] فقال: يا أمير المؤمنين، اسمع مني أربع كلمات، فيهن صلاح دينك و ملكك، و آخرتك و دنياك. قال: ما هنّ؟ قال: لا تعد أحدا عدة[٥] و أنت لا تريد إنجازها، و لا يغرّنك مرتقى[٦] سهل إذا كان المنحدر و عرا، و اعلم أن الأعمال جزاء فاحذر العواقب، و الدهر تارات[٧] فكن على حذر.
و لما دخل ابن السمّاك الواعظ[٨] على هارون الرشيد قال له: عظني. قال: يا أمير المؤمنين: إنّ الله لم يرض لخلافته في عباده غيرك، فلا ترض من نفسك إلا بما رضي الله به عنك، فإنك ابن عمّ رسول الله صلى اللّه عليه و سلم، و أنت أولى الناس بذلك.
يا أمير المؤمنين: من طلب فكاك رقبته في مهلة من أجله، كان خليقا أن يعتق نفسه.
يا أمير المؤمنين: من ذوّقته الدّنيا حلاوتها بركون منه إليها، أذاقته الآخرة مرارتها بتجافيه[٩] عنها.
[١] - سفيان الثوري: أبو عبد الله، محدث من الأئمة المجتهدين و من سادات أهل زمانه ورعا و علما و حفظا، ولد في الكوفة، و توفي بالبصرة سنة ١٦١ ه.( الأعلام ٣/ ١٠٤).
[٢] - المهدي: الخليفة العباسي الثالث: سبقت ترجمته.
[٣] - الزّهري: ابن شهاب محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، تابعي من أهل المدينة، و أول من دوّن الحديث، و أحد أكابر الحفاظ و الفقهاء، استقر في الشام و مات سنة ١٢٤ ه.( الأعلام/ ٧/ ٩٧).
[٤] - سليمان بن عبد الملك: الخليفة الأموي السابع، سبقت ترجمته.
[٥] - العدة: الموعد.
[٦] - المرتقى: موضع الصعود و الارتقاء.
[٧] - تارات: مكاره.
[٨] - سقطت كلمة( الواعظ) من( ط) و قد سبق ترجمته، و كذلك هارون الرشيد الخليفة العباسي.
[٩] - تجافيه عنها: بعده و إعراضه عنها.