الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦١١ - باب في ذكر الحسد و وصفه و تفسير محرمه من مباحه
و كذلك يروى أبو كبشة الأنصارى عن النبى صلّى اللّه عليه و سلم قال: «و رجل آتاه اللّه مالا فهو ينفقه فى معاصى اللّه عز و جل، و رجل لم يؤته اللّه عز و جل مالا فيقول: لو أن لى مثل مال فلان كنت أعمل فيه بمثل عمله، فهما فى الوزر سواء»[١].
فذمّه النبى صلّى اللّه عليه و سلم من قبل تمنيه الحرام، لا من قبل حسده للمسلم؛ غشا له و كراهية أن يرى به خيرا من الدنيا.
فهذا أحد الوجهين من الحسد، و هو كراهة التقصير عن منزلة غيره و محبة المساواة و اللحوق به، مع ترك التمنى أن يزول عمن نافسه حاله التى هو عليها.
و أما الوجه الثانى فهو المحرّم كله، قد ذمه اللّه عز و جل فى كتابه و الرسول صلّى اللّه عليه و سلم فى سنته، و اجتمع علماء الأمة عليه.
قال اللّه عزّ و جلّ: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ[٢].
و قال: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ[٣].
و قال: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً إلى قوله: وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ[٤]. قيل فى التفسير: حسدا.
و قال: وَ ما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ[٥].
[١] - جزء من حديث أبى كبشة الذى سبق تخريجه ص ٦٠٨.
[٢] - البقرة: ١٠٩.
[٣] - النساء: ٥٤.
[٤] - البقرة: ٢١٣.
[٥] - الشورى: ١٤.