الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦١٠ - باب في ذكر الحسد و وصفه و تفسير محرمه من مباحه
و جل عليه، و اجتنب ما نهى عنه، و لم يحب أن يكون مثله؛ كان عاصيا مقيما على تضييع الفرائض و ركوب المحارم، و لا يغتم بتركها، و لا يحب أن يطيع اللّه عزّ و جلّ، كما أطاعه الورعون فى القيام بحقه.
و إن كان ما رأى بغيره من نعم الدين فضلا و تطوعا، فاغتم أن يقصر عن منزلته، و أحب أن يلحق به و يكون مثله، فذلك فضل منه و تطوع، إذ أحب أن يتقرب إلى اللّه عزّ و جلّ، كما تقرب غيره، و اغتم أن يقصر عن القربة إلى اللّه عزّ و جلّ، بما يحب من طاعته.
و إن كان ما رأى بغيره من النعم مباحا له فيما يتقلب فيه من لذته و نعيمه بالفضول فيما أحل له، فاغتم ألا يكون له مثله، و أحب أن يلحقه به، فيوسع عليه كما وسع على من نافسه، و أن يلحق به فيكون متنعما مثله، فذلك مباح له، و ليس بمحرم عليه، إلا أنه نقص من الفضل و من الزهد، إلا أن يخرج إلى السخط على اللّه عز و جل، فيكون السخط على اللّه عز و جل لا يحل له؛ لا أن السخط منافسة، لأنه يحبّ السعة و التّنعّم بحلال اللّه عزّ و جل. و ليس محبته تلك بسخط، و إن كانت محبته نقصا من الفضل.
و إن كان ما يرى من غيره محرما لا يحلّ له، كاكتساب الحرام و إنفاقه المال فيما لا يحلّ له، و العمل بالمعاصى فى التلذذ بها، فاغتم أن لا يكون مثله، و أحب أن يكون مثله، و يصيب من المال و اللذّة مثل ما أصاب من ذلك، فذلك منه لا يجوز له، و لم يحسده الحسد المحرّم من قبل الغش له، و لكن حسده حسد منافسة فى الحرام، الذى لو كان ما نافسه فيه حلالا أو طاعة لجاز ذلك الحسد له، و إنما أتى ما لا يجوز له من قبل محبته للحرام، لا من قبل أنه حسده حسدا غشا له و حبا للشر، و كراهة الخير أن يراه به.
و إنما كان ذلك الحسد لا يجوز من قبل تمنّيه للحرام و محبته له.