الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٤٤ - باب الغرة بالله عز و جل
قلت: عن الغرّة باللّه عز و جل أسألك، و ما الذى يغترّ به العباد؟
قال: أما ما اغترّ به الكافرون عن اللّه عز و جل، فهو ما رأوا من فعل اللّه عز و جل بهم، من إكرامه لهم بالدنيا و رفعتها و سعتها، فظنوا بذلك أن ذلك لم يكن من اللّه عز و جل إلا لمنزلتهم عنده، و أنهم أحق بالخير من غيرهم.
ثم هم بعد ذلك على وجهين: فرقة منهم شكاك فى الآخرة يقولون فى أنفسهم و بألسنتهم: إن يكن للّه عز و جل معاد فنحن أحق به من غيرنا، و لنا فيه النصيب الأوفر، اغترارا بما ظهر لهم من خير الدنيا و كرامتها، ألا تسمع ما حكى اللّه عز و جل عن الرجلين اللذين تحاورا؟ فقال الكافر منهما للمؤمن المحاور له: وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً[١].
أى: لا أوقن بأن للّه عز و جل بعثا و ثوابا و عقابا، فإن كان فإن لى عنده خيرا مما أعطانى فى الدنيا، غرّة باللّه عز و جل، و ظنا أن اللّه عز و جل لم يكرمه فى الدنيا إلا و هو كريم عليه، فإن كان للّه عز و جل بعث و دار فيها ثواب و عقاب، فسيجيره من العقاب، و يكرمه فى الآخرة كما أجاره من الفقر و الضيق فى الدنيا، فحاور المؤمن الكافر بذلك.
و فى التفسير لما كان بينهما قصة طويلة- و هما فيما يروى فى التفسير اللذان قال المؤمن منهما فى الآخرة: إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ. يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ[٢]؟!- إلا أن المحاورة كانت بينهما فى جملة أمرهما: أن الكافر بنى قصرا بألف دينار، و اشترى بستانا بألف دينار، و خدما بألف دينار، و تزوج امرأة على ألف دينار، و فى ذلك كله يعظه المؤمن، و يقول له: اشتريت قصرا
[١] - الكهف: ٣٦.
[٢] - الصافات: ٥١، ٥٢.