الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٤٩ - باب العجب بالدنيا و النفس
قلت: فالعجب بالعقل و الذهن و الفطنة؟.
ل: استحسان ذلك و استعظامه، و نسيان النعمة بالتفضّل به، و الاتكال عليه أن يدرك به ما يريد و ما يؤمّل: من علم أو رأى، أو أحكام دين اللّه عز و جل، أو دنيا، و ترك التوكل على اللّه عزّ و جلّ فى جميع ذلك، حتى يخرجه ذلك إلى قلّة التثبت لإعجابه بعقله، حتى يخطئ فى دين اللّه عزّ و جلّ، و يقول عليه بغير الحق، و يخرجه أيضا إلى ترك التفهّم ممن علمه أو أمره أو ناظره، حتى يحرم الفهم للحقّ، و يأبى إلا القول بالخطأ و الغلط، و يخرجه إلى حقرية من دونه، ممّن لم يعط من الفطنة مثل ما أعطى، و إن كان أورع منه و أفضل عملا، حتى يسمّى كثيرا ممّن هو أورع منه و أفضل منه جهالا حمقى، و يراهم كالحمير التى لا تعقل، إذ فضّل عليهم بالفطنة و الذهن و يستطيل عليهم، و يرى أن لا قدر لهم و يستصغر ما عملوا من خير، و يرى أنه خير منهم، و إن ضيّع العمل، لفطنته و لعقله.
قلت: فبم ينفى ذلك؟
قال: بمعرفته بجهله مهما أعطى من الفطنة، و بسهوه و غفلته و قلة ما يدرى بعقله، و إن كان قد أعطى من الفطنة أكثر مما أعطى غيره، فقد وجب عليه فى ذلك الشكر، و إنما فضّل بالذهن لتعظم الحجّة عليه، و توكيد الطاعة باللزوم لها، و لينظر اللّه عزّ و جلّ كيف استعماله لعقله فى الفهم عنه و الاشتغال به.
و إن ما أعطى من العقل بيد اللّه عزّ و جلّ، لو شاء أن يغيره و يزيله ببعض الآفات، كما رآه فعل ذلك بمن هو مثله و من هو فوقه لفعل، فلا يأمن من أن يسلبه اللّه عز و جلّ عقله.
فإذا عرف ضعفه و جهله و قلّة ما يدرك بعقله، و أنّ ما فضّل به منّة منه، عليه فيه الشكر و عظيم الحجّة و وجوب الحق، و أنه لذلك مضيّع، فإذا عرف