الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٤٧ - باب العجب بالدنيا و النفس
الغائط و البول، و مصير جسمه و جماله إلى التراب و أن التراب سيمحو صورته و يبلى جسمه[١]، فإذا عرف نفسه و قدره و مصيره، و ما عليه من الشكر، و ما ضيّع منه، و ما وجب عليه بتضييعه الشكر من العقاب؛ زال عنه العجب و اهتم بالشكر، و تواضع للمنعم.
قلت: فالعجب بالقوة؟
قال: استعظامها و نسيان الشكر، و الاتكال عليها، و نسيان الاتكال على اللّه عزّ و جلّ، كما حكى عن قوم عاد حين قالوا: من أشدّ منا قوة. فأعجبوا بقوتهم و اتكلوا عليها، و ظنوا أنهم بها يتخلصون من عذاب اللّه عزّ و جلّ[٢].
و كما اتكل عوج[٣] على قوته، فاقتطع من الجبل قطعة ليطبقها على عسكر موسى صلّى اللّه عليه و سلم فثقبها اللّه عزّ و جلّ حتى صارت فى عنقه.
و قد يتكل المؤمن أيضا على قوته كما وصف النبى صلّى اللّه عليه و سلم قول سليمان ٧: لأطوفنّ الليلة بمائة امرأة. فلما لم يقل: إن شاء اللّه لم يكن ما أراد من الولد[٤].
[١] - و قد قال مالك بن دينار للمهلب بن أبى صفرة لما رآه يتبختر فى مشيته:« أما أولك فنطفة مذرة، و أما آخرك فجيفة قذرة، و أنت بينهما تحمل العذرة»( حلية الأولياء ٢/ ٣٨٥).
[٢] - يشير بذلك إلى قوله تعالى: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً .. الآيات ١٥، ١٦ من سورة فصلت.
[٣] - عوج بن عنق- و يقال: ابن عناق- شخصية و همية اختلقها الزنادقة، و ادعوا أنه نجا من طوفان نوح، و أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع و ثلاث مائة و ثلاثة و ثلاثون ذراعا و ثلثا، و أنه عاش إلى زمان موسى ...
إلى آخر هذياناتهم فى ذلك، و قد اغتر بذلك بعض المفسرين و الصوفية، و ذكروا هذه القصة، و تابعهم المصنف على ذلك، و هى محض اختلاق و افتراء. و انظر ما قاله ابن كثير عنها فى البداية و النهاية ١/ ١٠٧ ط الريان.
[٤] - هذا الحديث من رواية أبى هريرة رضى اللّه عنه، أخرجه البخارى فى الجهاد ٦/ ٣٤( ٢٨١٩)، و فى النكاح ٩/ ٣٣٩( ٥٢٤٢)، و أحمد ٢/ ٢٩، ٢٧٥، ٥٠٦، و لفظة:« قال سليمان بن داود-- ٨: لأطوفن الليلة على مائة امرأة- أو تسع و تستعين- كلهن يأتى بفارس يجاهد فى سبيل اللّه. فقال له صاحبه: قل إن شاء اللّه، فلم يقل إن شاء اللّه، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ... الحديث.
و فى رواية:« لأطوفن الليلة على سبعين امرأة ..» أخرجه البخارى فى الجهاد ٦/ ٣٤( ٢٨١٩)، و فى الأنبياء ٦/ ٤٥٨( ٣٤٢٤) و مسلم فى الأيمان ٣/ ١٢٧٥( ١٦٥٤/ ٢٣، ٢٤) و فى رواية« لأطوفن الليلة على تسعين امرأة» أخرجه البخارى فى الأيمان و النذور ١١/ ٥٢٤( ٦٦٣٩)، و فى كفارات الأيمان ١١/ ٦٠٢( ٦٧٢٠)، و مسلم فى الأيمان ٣/ ١٢٧٦( ١٦٥٤/ ٢٥). و فى رواية أنهن كن ستين امرأة. أخرجه البخارى فى التوحيد ١٣/ ٤٤٦( ٧٤٦٩)، و مسلم فى الأيمان ٣/ ١٢٧٥( ١٦٥٤/ ٢٢).
و جمع ابن حجر فى الفتح ٦/ ٤٦٠ بين اختلاف الروايات فى العدد بأن الستين كن حرائر، و ما زاد عليهن كن سرارى أو العكس، و أن السبعين للمبالغة، و أنهن كن فوق التسعين و دون المائة، فمن قال: تسعون ألغى الكسر، و من قال: مائة جبره، و من ثم وقع التردد فى رواية المائة.