الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٨٨ - باب سرور العبد عندما يظهر عليه من عمله قبل فراغه منه و بعد فراغه
جعل له أجرين: أجر السرّ، و أجر العلانية، فأحسن أحواله أن يكون قال له:
لك أجر ما سررت و لا يضرك ما ظهر.
و إما أن يكون له على عقد الرياء أجر ثان، فالذي لم يراء بعد ما اطلع عليه، و أخلص للّه قلبه و نفي خطرات الرياء عن قلبه أخس أجرا و المرائي أعظم أجرا؛ له أجران على قياس هذا القول، و ذلك ما لا يقوله مسلم يعقل.
فلولا أن الرجل كان في مسألته ما يدلّ أن سروره كان طاعة لربّه، و إن لم يكن له بذلك علم، و أشفق من اطلاعهم و سروره به لقلة علمه[١]. فلا يمكن أنه كان سروره إلا ببعض ما ذكرنا من النعمة، أو لطاعة من اطلع عليه فيه، أو لأن يقتدي به.
و قد روى عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: إنما معنى هذا الحديث أنه أراد القدوة، و قوله أجر العلانية يدلّ على ما قاله عبد الرحمن؛ لأن سروره بما علن من فعله عندهم، فإن اقتدوا به كان له مثل أجرهم؛ كما قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم:
«من سنّ سنّة حسنة فعمل بها كان له مثل أجر من يعمل بها»[٢] و اللّه أعلم بما أراد، غير أن الكتاب و السنّة لم يدلا على أن له أجرا على الرياء، و أن اللّه عزّ و جلّ لم يجعل المرائي أعظم أجرا من المخلص.
و تأول بعضهم في ذلك: منهم عبد الرحمن أنه قال: إنه ندم على ما اعتقد من الرياء، فلذلك جعل له النبي صلّى اللّه عليه و سلم أجرين، أجرا على طاعته، و أجرا على توبته.
[١] - تحتاج العبارة هنا إلى هذه التكملة:« لما أجابه الرسول بذلك»( ط المعارف).
[٢] - الحديث عن جرير بن عبد اللّه البجلي، أخرجه مسلم في الزكاة ٢/ ٧٠٥( ١١٠٧) و في العلم ٤/ ٢٠٥٩( ١١٠٧)، و النسائي في الزكاة ٥/ ٧٦.