الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٨٩ - باب ما يهيج على معرفة كراهية الموت و كربه
و لقد تمنى بعضهم أن ينزع نفسه أبدا، و لا يبعث لثواب و لا عقاب، و من ذلك: أنه قيل لعطاء السلمي عند الموت، و أغمى عليه و أفاق، و هم يدعون اللّه عز و جل، فقال: فيم أنتم؟ قالوا: كنّا ندعو اللّه أن يخفف عنك هذه السكرة، فقال: لا تفعلوا فوددت أنها تردد من لهاتي[١] إلى حنجرتي و لا أبعث أبدا للقيامة[٢].
فما ظنك بإحدى البشريين، لو وقعت في سمع المكروب المجدّل الحزين، المرتقب لبشرى الجنة أو بشرى بالنار، فإن قيل له: أبشر بالنار يا عدو اللّه، فياللّه من قلب أيقن بالإياس من رحمة اللّه، و علم أن ضعفه لن ينجو من عذاب اللّه فعندها تنقطع نفسه حسرات فيسأل الرجوع.
فيقول: رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ[٣]!
هيهات! خسرت يداه، و انقطع من اللّه رجاؤه، و بدا له غير ما كان يحتسب من ربه عز و جل، ردت عليه ندامته و توبته، و حيل بينه و بين الرجوع إلى الدنيا؛ ليعتب من أسخطه، ثم لا تسأل ما بعد هذه الأحوال من الحال.
و إن سمع البشرى من اللّه عز و جل بأنه قد رضى عنه، و أن له الجنة، إليها منقلبه، لا تسأل عن فرح قلبه و سروره، و تحقيق رجائه و حسن ظنه بربه، و أمنه على بدنه من العذاب بعد طول مخافته و إشفاقه و كذلك قال اللّه عز و جل في كتابه:
[١] - اللّهاة: الهنة المطبقة في أقصى سقف الفم، و هي مفرد اللّها، و اللهوات، و اللهيات.
[٢] - انظر: حلية الأولياء ٦/ ٢٤٤.
[٣] - المؤمنون: ٩٩، ١٠٠.