الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٨٢ - باب ما يهيج على معرفة كراهية الموت و كربه
و قلصتا، و ارتفعت الأنثيان إلى الحالبين، و من المرأة الثديان حتى لا يبقى إلا أقلهما، و جفت الأعصاب و يبست.
فلا تسأل عن بدن مجدّل، تجذب عروقه و أعضاؤه و بشرته، ثم يموت عضوا عضوا على حياله، فتخضر أنامله ثم تبرد قدماه، ثم تبرد ساقاه، ثم فخذاه بسكرات و كرب يتغشاه، و كرب من بعد كرب، و سكرة من بعد سكرة مع كل جذبة، حتى بلغ بها إلى الحلقوم، فعند ذلك تنقطع المعرفة عن الدنيا و أهلها، و يزول عنه قبول التوبة، حين تحضره الحسرة و الندامة.
و كذلك يروى عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: «تقبل توبته ما لم يغرغر»[١].
و قال مجاهد في قوله عزّ و جل: وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ[٢] قال: إذا عاين الرسل فعند ذلك تبدو له صفحة وجه ملك الموت.
فلا تسأل عن طعم مرارة الموت و كربه حين تبالغ فيه الكرب، و اجتمعت السكرات.
و يبين ذلك ما روى جابر بن عبد اللّه عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم، في بعض الحديث، «أن نفرا من بني إسرائيل مرّوا بمقبرة، فقال بعضهم لبعض: لو دعوتم اللّه
[١] - الحديث عن ابن عمر، أخرجه الترمذي- و قال: حسن غريب- في الدعوات ٩/ ٥٢١( ٣٦٠٣، ٣٦٠٤)، و ابن ماجة في الزهد ٢/ ١٤٠٢( ٤٢٥٣)- و عنده: عن ابن عمرو، و هو وهم، نبّه عليه المزى في التحفة ٥/ ٣٢٨- و أحمد ٢/ ١٣٢، ١٥٣ و أبو نعيم في الحلية ٥/ ١٩٠، و صححه الحاكم ٤/ ٢٥٧، و وافقه الذهبي، و صححه ابن حبان ٢/ ٣٩٤( ٦٢٨). و معنى« ما لم يغرغر»: ما لم تبلغ روحه الحلقوم.
[٢] - النساء: ١٨.