الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٣٤ - باب ما يكون من الحسد عن العجب
و إن كنت مقصرا فى العمل ففاتك العمل، لم يفتك أن تكون معهم بمحبّتك، فصدّك عن ذلك، إرادة ألا تلحق بهم بمعنى من المعانى، و لم يرض أن عرضك لحرمان اللحاق بهم حتى دعاك إلى بغض فعلهم أن تكون منهم، و إلى بغضهم، و الغش لهم، و حبّ زوال الطاعات عنهم، ففاتك أن تلحق بمن حسدته، و ازددت إثما، و ازددت فى الدنيا غما، فياليتك إذ فاتك اللحاق به و ازددت غما فى قلبك؛ سلمت من الإثم، و لكن مع ما فاتك من اللحاق به أثمت فاستحققت أن تهلك فيما ينجو به من حسدته، فأثمت و لم تكفّ ورعا، و لو كففت عن الحسد ورعا لأجرت و سلمت، فأثمت على ما يؤجر به من حسدته.
و قد جاء الحديث: «أهل الجنّة ثلاثة: المحسن و المحبّ له و الكافّ عنه»[١] و ذلك أن تكف عنه ورعا، فتجب لك الجنّة بذلك.
فينظر الحاسد على من أدخل الضرر، و من حرم الخير و زالت عنه النعم، و من غبن، هو أو من حسده؟!
و لو كان يضر المحسود حسد الحاسد له فيزيل عنه بحسده له النعم، لدخل عليك أعظم الضرر، لأنك لا تعرى أن يحسدك غيرك، فلو كان الحسد يضر المحسود لما بقيت عليك نعمة، إذ كنت لا تعرى أن يحسدك حاسد، فيحب زوال النعمة عنك، فإن أردت ألا يطيع ربّك عز و جل فيك الحاسدين فأنت أهل ألا تحسد عباده، اتباع محبته و شكرا له على ذلك.
و لو لم يكن فى الحسد إثم لكان أهلا أن لا تعصيه، إذ يتمّ عليك نعمه و يرجع الحاسدون بحسراتهم، منكسرة شهواتهم، و محبتهم و إرادتهم مردودة عليهم، مع زوال النعم عنهم فى دينهم، تفضّلا منه و تكرّما و امتنانا أن لا
[١] - لم أعثر على هذا الحديث.