الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٣٥ - باب ما يكون من الحسد عن العجب
يعطى الحاسدين فيك ما يحبّون، فاشكره على ذلك.
فدع الحسد الذى لم يطع به غيرك فيك لو كان هو الحاسد لك، فارض بما قسم لعباده، فإنك إن لم تفعل خالفت محبّته، و بارزته بالخلاف فيما أوجب، و ما آمن أن يزول عنك من النعم فى الدنيا و الدين سوى مازال عنك من نعمة السلامة و النصيحة قبل أن تحسده، فينزل بك ما تمنيت بغيرك، عقوبة من اللّه عزّ و جلّ، لأنه يقول تعالى: وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ[١].
و ذلك كالماكر، إنما أراد أن يفعل السوء بغيره، فحاق به ما أراد بغيره، و كذلك الحاسد: لا يأمن أن ينزل به من البلاء و زوال النعم مثل ما أحب للمؤمنين.
و قد يروى عن بعضهم أنه قال: ما تمنّيت لعثمان رضى اللّه عنه شيئا إلا نزل بى، حتى لو تمنّيت له قتلا لقتلت.
فلو لم تدع الحسد- خوفا من عقوبة الآخرة- إلا خوفا من عقوبته فى الدنيا أن ينزل بك مثل ما تمنّيت لمن حسدته، و ساءك ما أنعم عليه به، فلا ينعم اللّه عليك مثل ما أنعم عليه به، إذ ساءك تفضل اللّه عزّ و جلّ عليه، فتخوف بلاء الدنيا و زوال النعم فيها- كان ينبغى لك أن تدعه لو أمنت عقوبة الآخرة. و ما لك أن تأمن ذلك و قد ذمه اللّه عزّ و جلّ، و الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و سخطه اللّه عزّ و جلّ، و سخط على من اعتقده، أخبرك بذلك فى غير موضع فى كتابه، يذم أهل الحسد، و يخبرك أن الأمم الماضية هو الذى فرق بينها، و ألقى الاختلاف فى دينها.
و لو لم تخف عليك عقوبة آخرة و لا دنيا و لم يكن عليك فيه إثم؛ كان
[١] - فاطر: ٤٣.