الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦١٩ - باب ما يكون من الحسد على الرياسة و حب المنزلة
باب ما يكون من الحسد على الرياسة و حب المنزلة
و أما الرياسة و المنزلة عند الناس بالعلم، فإنه يورث ردّ الحق و تركه على علم، كما تفرق أهل الكتاب؛ حسدا بينهم أن يعلو بعضهم بعضا فى العلم، كلّ واحد منهم يحسد صاحبه على الرياسة أن تكون له دونه.
و كذلك المنزلة عند الناس، فرد الحق أن يقبله، و ابتدع فقال بغير الحق، ليتبعه الناس على قول هو خلاف قول من يحسده، و خطّأه فيما يقول و إن كان حقا، و أظهر أن الحق فى غيره، ليصد الناس عنه، و يطفئ نوره، حسدا أن ترتفع منزلته، أو يخضع له فيكون عليه رئيسا.
كما كفرت علماء اليهود بالنبى صلّى اللّه عليه و سلم، و هم يعرفون أنه قد جاء بالحق من عند اللّه عز و جل، حسدا أن يرئسوه عليهم، و تذهب رئاستهم فى اليهود، فيكونوا أتباعا بعدما كانوا متبوعين.
و كذلك فى العبادة يكره أن يترأس بها فوقه، و يعظّم عليه، فيقع العالم فى العالم و العابد فى العابد؛ خوفا أن يترأس عليه، أو يكون فوقه، أو يعظمه الناس، و يحب أن يهتك اللّه ستره، و أن يعصى اللّه عز و جل، فيفتضح بذلك، و أن يخطئ على اللّه عز و جل فى دينه، و يقول عليه بغير الحق، لئلا تثبت له رئاسة، و لئلا تقوم له منزلة، فيحب أن ينزل به كل ما فيه زوال الرئاسة عنه و التعظيم من الناس.
و كذلك فى الرئاسة و المنزلة فى غير العامة، يتحاسد الصاحبان فى الحب و المنزلة عند من يصحبانه، فيحب أحدهما ألا يفضله عليه فى عمل و لا علم،