الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٩٢ - باب الغرة بالعزلة و الفرار من الناس
باب الغرة بالعزلة و الفرار من الناس
و فرقة قد غلب عليها الاستيحاش من الناس و الخلوة، و هى مع ذلك تتصنع بفرارها و تحبّ أن تشتهر به، و ترتاح قلوبها بذكر العباد لذلك منها، مع تكبّر على العامة و عجب بأعمالها، قد عمّى عليها أكثر ذنوبها، إذ عدّت أنفسها أنها أنيسة باللّه عز و جل مستوحشة من خلقه.
قلت: فبم تنفى غرّتها بذلك؟
قال: تتفكر فى عظيم حق اللّه عز و جل، و واجب طاعته، و كثرة عدد ما يلزمها من مجانبة ما كره ربّها عز و جل و نهى عنه، فى ظاهرها و باطنها، هل أحصت ذلك كله، حتى لم تضيع للّه عز و جل حقا، و لم تركب نهيا مما نهى اللّه عز و جل عنه؟ فإذا تفكر أحدهم فى ذلك علم أنه لم يقم بحقوق اللّه عز و جل كلها فى طول عمره، و لم يسلم مما كره أن يأتيه بجارحة أو بقلب، و أن القليل من عمله الذى يغتر به تعتوره الآفات التى تفسده أو تحبطه، من الرياء و العجب و الكبر و الحسد و سوء الغذاء[١]، أو بعض ما يمقت اللّه عز و جل عليه فيحبط به العمل، من تضييع الفرض، و إتيان ما نهى اللّه عز و جل عنه، و قد تهدد بذلك المؤمنين من عباده فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ إلى قوله: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ[٢].
[١] - لعل المقصود بسوء الغذاء: أكل الحرام و ما فيه شبهة.
[٢] - الحجرات: ٢.