الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٨٧ - باب الغرة بالعبادة و العمل
باب الغرّة بالعبادة و العمل
قلت: فالغرّة بالعبادة و العمل كيف هى؟
قال: منهم فرقة تتكلّف الرضا و الزهد و التوكل و الحبّ للّه عزّ و جلّ، على غير حقيقة و لا معرفة بما هو أولى بها، يتقلّل أحدهم من اللباس و الطعام زهدا فى الدنيا، و بعضهم يخرج إلى الحج بغير زاد و يدع المكاسب، يؤمّ التوكل بذلك، و منهم من تخيل إليه نفسه أنه يشتاق إلى الجنّة، و منهم من يدّعى حبّ اللّه عز و جل، يلهج بذلك، و يجالس عليه، و يصعق عند ذكره.
و كل هذه الفرق مغترة باللّه عزّ و جلّ، تتكلم بما يكره اللّه تعالى و هى لا تشعر، و ترائى بما تعمل، و تتكبر و تعجب، و تأتى كثيرا مما يكره اللّه عز و جل و هى لا تشعر، لم تعرف التقوى إلا بالاسم، و لم تتكلّفها فى جوارحها و باطنها، و لا تعلمها و لم تطلبها، و هى ترى أنها قد قطعت التقوى، و صارت إلى الزهد و التوكّل و الرضاء و معالى الدرجات الكبرى، و هم عامّة قراء زمانك، الغالب عليهم اتباع أهوائهم فى طاعتهم و تقشفهم.
قلت: هذه الفرقة أولى بالرحمة من الفرق التى وصفت قبلها، إذ كابدت أهواءها، و حملت المكروه على أبدانها، و وسمت بالتشمير عند العباد، و ظنّت ذلك من أنفسها، لأن كل الفرق اغترت من غير كثير مؤنة تحمّلتها، و لا إدخال المشقة على أنفسها، و هذه قد رفضت الدنيا فيما ترى و حرمتها أنفسها، و هى راكنة إلى بعض الدنيا و هى لا تشعر، فهى أولى بالرحمة من غيرها، و قد خشيت أن يكون هذا هو الغالب على أهل زماننا.