الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٦٦ - باب الغرة من أهل النسك و أصنافهم و اختلافهم، و غرة أهل العلم
المحبوب للّه عز و جل و المكروه، و أنه إن عرف معانيه لم تجزه معرفته بذلك دون القيام بما أوجب اللّه عز و جل، بعد معرفته به و الانتهاء عما حرم اللّه عز و جل عليه، فإن علم أن ذلك لا يجزيه، فألزم قلبه طلب معرفة معانى العلم، و حمل نفسه بعد المعرفة على القيام بما أحب اللّه عز و جل و ترك ما كره الله تعالى؛ عرف أنه معطل من معرفة معانيه دون القيام به، فلم يغتر، و علم أن ما علم فهو عليه و بال، إذ شارك الجاهل فى جهله بعد معرفة العلم، و عظمت عليه الحجة، إذ جهل معانيه بعد علمه بحفظ تلاوته و روايته، فهو أشد بلاء من الجاهل الذى لم يعرف تلاوة العلم و لا حفظ روايته، و قد شارك أيضا الجاهل فى تضييعه العمل به بعد حفظه العلم.
فإذا ألرم قلبه انتفت عنه الغرّة بما حفظ من العلم، و اهتم بطلب معانيه، و التفكر فيه، و القيام به، فلم يغتر بما حفظ، و عد نفسه جاهلا بالعلم بعد حفظه له، و أسوأ حالا ممن لم يحفظه و لم يدرسه و لم يروه.
******