الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٦٥ - باب الغرة من أهل النسك و أصنافهم و اختلافهم، و غرة أهل العلم
فمن ضيّع أمر اللّه عز و جلّ بعد علم فهو جاهل باللّه عزّ و جلّ، إذ كان أعظم جرأة من الجاهل على اللّه عزّ و جلّ، فلو كان هذا عالما باللّه عزّ و جلّ، لما اجترأ بأعظم من جرأة الجاهل، فلا علم للمغتر، بل هو أشد جهلا باللّه عزّ و جلّ من الجاهل الذى لا يعرف العلم، و لعله لو عرف كما عرف هذا المغتر الذى أكثر الرواية للعلم، ما ضيّع أمر اللّه عزّ و جلّ، فهو شر من الجاهل.
كما روى عن أبى الدرداء: «ويل للذى لا يعلم مرة، و لو شاء اللّه لعلمه، و ويل للعالم سبع مرات»[١] أى الحجة عليه أضعاف، و كذلك العذاب.
فإذا تذكر هذا و أمثاله حذر اللّه عزّ و جلّ، و ازداد مع العلم و جلا و حزنا، كما قال أبو الدرداء من يزدد علما يزدد وجعا.
و قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً إلى قوله: وَ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ[٢].
و قال عز و جل: إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا[٣].
فوصف العلماء من قبلنا و من هذه الأمة بالوجل و الإشفاق، و الدليل على ذلك: البكاء مع سجودهم إذا تتلى عليهم آياته، و هى أعظم العلم و أشرفه، و ينفى اغتراره الذى عمّاه عن ذنبه حتى يخيل إليه أنه لا يعتقد مثله الأخلاق المذمومة عند اللّه عز و جل، لما حفظ من العلم.
فينفى غرّته بذلك: أن يعلم أن حفظه للعلم لن يجزيه دون معرفة معانيه فيما دل عليه من المحبوب للّه عز و جل و المكروه، حتى يعرف معانى العلم فى
[١] - سبق تخريجه ص ٥١٩.
[٢] - الإسراء: ١٠٧- ١٠٩.
[٣] - مريم: ٥٨.