الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٦٣ - باب الغرة من أهل النسك و أصنافهم و اختلافهم، و غرة أهل العلم
و يتكبر على العباد، و يسىء بهم الظنّ، و يشمت بالمصائب و البلاء، و هو يرى أنه برىء من جميع ذلك، إذ لم يضع نفسه موضع التهمة، فيتفقدها عند دعائها ما كره اللّه عز و جل، فلو تفقد نفسه علم ذلك كله حين تعرض بالدعاء إلى ما كره اللّه عز و جل، فهو يعدّ نفسه من الورعين العالمين باللّه عزّ و جلّ، و هو عند الله عز و جل من الفاجرين و الجهّال به، الذين لا يخافونه و لا يحذرون عقابه.
و قد يعلم بعض هذه الفرقة بكثير من ذنوبه فلا يفزعه ذلك، و لا يرهب من اللّه عز و جل من أجله، يرى أنه قد قام مقاما من العلم لا يعذب مثله، فهذه الفرقة الفاجرة ممن حفظ العلم و أكثر روايته.
قلت: فبم ينفى ذلك؟
قال: ينفيه بمعرفته أن العلم حجّة عليه، و أن اللّه عز و جل حمّله ما أعظم به عليه حجّته، و شدّد عليه به فى القيامة المسألة، فإن ضيّع العمل فلم يقم بواجب الحق للّه عز و جل، و بترك ما نهى عنه فى ظاهره و باطنه، كان عند اللّه عز و جل أعظم و أشدّ عذابا من الجاهل، و إنما جعل اللّه عز و جل العلم و علّمه عباده؛ ليعرفوا به ما أوجب عليهم و أحب، فيقوموا للّه عز و جل بذلك، و ليعرفوا ما حرّم اللّه عز و جل، فيجانبوه، و يعرفوا ربهم فيخافوه، و جزيل ثوابه فيرجوه، و عظيم عذابه فيحذروه.
فإن لم يغلب الحذر على قلبه و الخوف من اللّه عز و جل فهو جاهل فى العلم، لأن اللّه عز و جل وصف العلماء بذلك فقال عز و جل: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ[١].
[١] - فاطر: ٢٨.