الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٣١ - باب ما يجب من التواضع للمطيعين و العاصين لينفي به العجب و الكبر
نفسك، لأنك المأخوذ بذنبك لا بذنب غيرك، ألم تسمع اللّه عز و جل يقول:
وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى[١]، مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها[٢]. وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها[٣].
فأنت لا تدرى لعل اللّه عز و جل يكون قد غضب عليك، فأنت عندك شغل عن الخوف على غيرك، و لا تدرى بما يختم لك، و كم قد رأيت راحما لغيره من المسرفين على أنفسهم قد رجع إلى المعاصى، و تاب المرحوم عنده، و رجع هو حتى مات على شرّ أحواله، و مات الآخر على الطاعة و التشمير؛ لأن اللّه قد غيّب علم عواقب الأمور و أعمال العباد عنهم، فلا يدرى أحد منهم إلا الرسل الذين بيّن لهم، فلا يدرى العبد على ما يموت، و بأى حال يختم له بها، فالخوف على نفسك أولى بك من الخوف على غيرك.
فإذا لم تترك الخوف على نفسك لما سلف من ذنوبك، و بما يختم لك به، و أنت مع ذلك عارف بنعمة ربك الذى عصمك من سوء فعل غيرك، و غضبت للّه عز و جل، و جانبت و أنت غير ناس للحذر، و لا تارك للخوف على نفسك، فلست بمستكبر عليه.
و إنما تكون مستكبرا عليه إذا نظرت إليه بعين الازدراء و الحقرية، و قد غلب على قلبك أنك الناجى، و أنك خير منه على كل حال، فلا تذكر ما سلف منك، و لا بما يختم لك، فحينئذ تجمع عصيانا للّه عز و جل و كبرا، إذا نظرت إليه بالازدراء، و أنك خير منه غير خائف على نفسك، أو أنفت أن تقبل منه
[١] - الأنعام: ١٦٤، فاطر: ١٨.
[٢] - فصلت: ٤٦، الجاثية: ١٥.
[٣] - الأنعام: ١٦٤.