الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٢٧ - باب بم يعلم العبد أن نفسه قد تركت الكبر على الصدق و لا خدعة منها؟
لزم قلبه الكبر مع معرفته أن ذلك يزيل حمد العامة له، و هو متكبّر لا مراء بذلك، و كذلك لا يختلف إلى الفقهاء و المحدثين أنفا و كبرا أنه أحق أن يتعلّم منه، من أن يتعلم هو من غيره، لأن العلم إنما جاء من أصله و آبائه، و لعله جاهل لا يحسن أن يقيم صلاته أو بعض فرضه.
فقد تبين بهذا أن العبد إذا قارن الرياء بالكبر أنه قد ينفى الكبر، و يعتقد الرياء، و قد ينفى الرياء و يعتقد الكبر، فلا ينجيه إذا تقارنا أن ينفى أحدهما بما ينفى به الآخر، إلا أن يكون عبدا قويا خائفا، فيذكر اطلاع اللّه عز و جل على ما فى قلبه، فينصرف عنهما، و ذلك إذا كان عارفا بهما و بما ينفيان قبل العارض.
فأما من لم يكن يعرف ما ينفيهما به فلا غنى به عن معرفة ذلك عند اعتراضهما، و ذلك إذا كان يعرف- من قبل أن يعرضا- بم ينفيهما به؛ ثم إن لم يكن عنده خوف و قوة يقين و إجلال للّه عز و جل لم يكد أن يجزئه ذكر اطلاع اللّه أو ذكر عقابه؛ لغلبة الهوى و ضعف العزم، و اليقين، حتى يخاصم نفسه و يعاتبها، و يورد عليها أضداد ما ادّعت من عظيم القدر، و يرد عليها ما أرادت من رياء المخلوقين، بذكر سوء عاقبة الرياء فى معاده، أفقر ما يكون إلى أن يقبل اللّه حسناته.
فإذا نفى الرياء و الكبر إذا اجتمعا فى القلب بما وصفت لك من ذكر صغر القدر، و ما وجب عليه فى حياته، و ما تكون خاتمة أمره، فينتفى بذلك الكبر، و ينفى الرياء بالكراهية و الإباء له، لخوفه من حبط عمله حين لا ينجيه إلا الخالص من العمل؛ فقد نفى الكبر حينئذ و الرياء جميعا، و سلم منهما بإذن اللّه عز و جل.