الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٠٦ - باب نفي الكبر و تعريف العبد قدره
مضغة موات، ثم من جسم موات، لا يسمع و لا يبصر و لا ينطق و لا يعقل و لا يتحرك، لما به من الذلة و المهانة، ثم نفخ فيه الروح، ثم أخرج إلى الدنيا بعد ما نقله من هذه الأحوال، فأخرجه حيا ضعيفا صبيا صغيرا ذليلا، ثم و كل به الأقذار: الرّجيع فى بطنه، و البول فى مثانته، و المخاط فى أنفه، و البزاق فى فمه، و الوسخ فى أذنيه، ثم النتن و الأقذار تسرع إليه، إن تهاون بنفسه أن يغسلها أو ينظّفها، صار أنتن من الدواب، و وكّلت به الأمراض و الطبائع المختلفة المتضادة، لا تفارقه، من المرّة[١] و البلغم و الريح و الدم، و هو مع ذلك عبد ذليل أمره إلى غيره، يجوع كرها مقهورا و يعيش كرها مقهورا و يغلبه النوم كرها مقهورا، لا يملك لنفسه فى ذلك ضرا و لا نفعا، يغلب فى المكروهات، يريد من نفسه ما لا يقدر: يريد أن لا يجوع و لا يعطش و لا يظمأ و لا يمرض، فينزل به من ذلك خلاف مراده، و يريد أن يذكر الشىء فينساه، و يريد أن ينسى الشىء فيذكره.
ثم هو مع ذلك لا يأمن أن يكون تلفه فيما يريد و يحب، و لعله يكون تلفه فى شبعه أو نومه فلا يقوم منه.
عبد مملوك ذليل، يقلّبه غيره، و لا يأمن فى ليله و نهاره أن يسلب سمعه و بصره و جميع جوارحه و عقله، أو بعض ذلك، حتى يرد إلى بعض أحواله فى بداءته، من العمى أو الصمم أو البكم أو الجهل، حتى يذهب عقله. و قد رأى اللّه عز و جل فعل ذلك بكثير من خلقه.
ثم هو مع ذلك لا يضمر بقبله، و لا يحرّك جارحة من جوارحه، و لا يكتسب و لا ينفق، و لا يأكل و لا يشرب، إلا و عليه من يحصى ذلك كله عليه،
[١] - المرة، بكسر الميم: هى ما يكون فى مرارة الإنسان أو الحيوان.