الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٠٥ - باب نفي الكبر و تعريف العبد قدره
و أصل ابن آدم من التراب الذى يوطأ بالأقدام، و حمأ مسنونا قد أسن فأنتن.
ثم صار بعد الأصل من نطفة قذرة، و منها فصله، و إذا عيّر الرّجل الرّجل، و أراد أن يصغر بقدره قال: لا أصل لك و لا فصل، و الأصل عند العرب:
الجد، و الفصل: الأب، فكان أصله التراب و فصله النطفة، لأن جده هو التراب، و أبوه هو النطفة، و هو بعد أبيه من نطفة، فالأصل يوطأ بالأقدام، و النطفة تغسل منها الأجساد و الثياب، فخلق من دناءة و ضعف و أقذار.
ألم تسمع إلى قول اللّه عز و جل: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ. مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ[١].
و قال عز و جل: مِنْ ماءٍ مَهِينٍ[٢].
و قال النبى صلّى اللّه عليه و سلم: «يقول اللّه عز و جل: أيعجزنى ابن آدم؟ و إنما خلقتك من مثل هذه»، و بزق النبى صلّى اللّه عليه و سلم فى كفه[٣]. فخلق الإنسان من أقذار، و سكن فى أقذار، و خرج من أقذار، لأنه خرج من صلب، ثم من ذكر من مجرى البول إلى الرحم، ثم خرج منه من مجرى القذر؛ كما قال أنس بن مالك: كان أبو بكر رحمة اللّه عليه يخطبنا، فيقول فى خطبته: «خرج أحدكم من مجرى البول مرتين» حتى يقذر إلى أحدنا نفسه[٤].
فأول ابن آدم من تراب، ثم من نطفة موات، ثم من علقة موات، ثم من
[١] - عبس: ١٧- ١٩.
[٢] - السجدة: ٨.
[٣] - الحديث عن بسر بن جحاش القرشى، أخرجه ابن ماجة فى الوصايا ٢/ ٩٠٣( ٢٧٠٧)، و أحمد ٤/ ٢١٠، و قال البوصيرى فى زوائد ابن ماجة ٢/ ٣٦٥( ٩٦٠)« إسناد حديث بسر صحيح رجاله ثقات».
[٤] - أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف ١٣/ ٢٦١( ١٦٢٨٣) و ابن أبى الدنيا فى« التواضع و الخمول» ص ١٩٩( ٢٠٠).