الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٠٤ - باب نفي الكبر و تعريف العبد قدره
و بصيرا بعد العمى، و قويّا بعد الضعف، و غنيّا بعد الفقر، و مهتديا بعد الضلالة.
فالأحوال الأولى ابتدأه بها يعرّفه بها نفسه، ليشهد عليها بالذلة، و الضعف و القلة و الحاجة و المسكنة، ليعرف بذلك صغر قدره، و لتردعه معرفة ذلك عن الكبر و الفخر و البطر و الخيلاء و العجب بنفسه.
فما بدأه من صغر القدر، و ضعة المنازل، عليه فيها من اللّه عز و جل نعمة سابغة، إذ عرف بها نفسه، فردعه ذلك أن يجوز[١] قدرها، و حجزه- إن عقل- عن الكبر و الفخر و البطر.
و النعمة الثانية عليه من اللّه عزّ و جلّ سابغة؛ إذ عرف بها ربّه، الذى نقله من الأحوال الدنية المذمومة، إلى الأحوال الرفيعة.
فكلا النعمتين سابغة من اللّه عزّ و جلّ: بالأولى عرف نفسه، و بالثانية عرف ربه عز و جل، فبالأولى يصغر قدر نفسه عنده، و بالثانية يعظم قدر ربه عنده، فيخضع و يذل لمولاه شكرا، إذ رفع خسيسته بعد الضّعة و صغر القدر و المهانة.
فمن كان بدوه هذا البدو، و أحواله هذه الأحوال، فإنه عن الكبر بمعزل، كما قال لقمان لابنه: يا بنى ما للترابى[٢] و للكبر؟! و صدق رحمه اللّه. من كان أصله مما يداس بالأقدام- و مع ذلك إنه خمّر طينته حتى صارت حمأ مسنونا- كيف يتكبر و أصله دنى و ضيع عند الخلق؟ لأنه إذا أراد أن يصغر بقدر غيره، قال: لأنت أهون علىّ من التراب الذى أطؤه بقدمى، و لأنت أنتن من الحمأة.
[١] - يجوز بمعنى: يتعدى و يتجاوز.
[٢] - نسبة إلى التراب الذى هو أصل الإنسان.