الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٨٠ - باب في العبد يعزم على التوبة ثم يرجع و ما الذي يقويه و يعينه على التقوى و مخالفة الهوى و الشهوة؟
فإن كانت حاجة للدنيا لا غناء به عنها من الغذاء له، أو لعياله فهو يقوم هذا المقام، إذا علم اللّه عزّ و جلّ منه أنه لو كان يذهب لتكثّر، أو لرياء أو لافتخار، ما ذهب و لآثر الترك، لئلا يتعرض لما يسخط ربّه عزّ و جلّ، و لولا طلب العون على طاعة ربّه عزّ و جلّ، و العذر فى عياله و نفسه، ما ذهب متوكلا على ربّه عزّ و جلّ أنه لا يخذله، إذا علم أنه لم يذهب للذّة نفسه، رجوت ألا يخذله اللّه عزّ و جلّ، بل لا يخذله، و يعينه و يعصمه، إن شاء اللّه.
فإن كان ذهابه لحاجة الدنيا، و له عنها غناء، و هو يعلم أنه لا يسلم، لما جرب من نفسه، فترك ذلك أولى به، حتى يقوى، و لست آمره بذلك دهره كله، إنما آمره تداويا لذلك قليلا، حتى يقوى.
و كذلك إن كان يشكو لسانه: أن يسبقه إلى الغيبة و المزاح بما لا يحل، و الاستهزاء لغيره.
فإذا أنعم الروية من أى وجه يؤتى، و من أين أكثر ما يؤتى: من مجالسة الإخوان و غيرهم، ترك مجالستهم، حتى يلحقه فرض واجب لا يؤديه إلا بالكينونة معهم، أو معاش لا غنى به عنه، فيجالسهم حينئذ لإقامة الواجب، أو لطلب الغذاء؛ لا لراحة نفسه و شهوتها، متوكلا فى ذلك على ربّه أن يعصمه، إذ علم أنه تارك للمجالسة، للذة نفسه و شهوتها، و لولا أداء واجب له، أو طلب ما يعينه على أداء واجب حقه، لآثر اللّه عزّ و جلّ بالترك خوفا أن يتكلّم بما يسخط ربّه عزّ و جلّ به، عصمه اللّه عزّ و جلّ، و أعانه إن شاء اللّه.
و أما إذا علم أنه لا يسلم معهم، ثم جالسهم بعد علم و تجربة من نفسه، أنهم يخرجونه بحديثهم و مجاورتهم إلى الكلام بما يكره مولاه، ثم ذهب أو جلس لغير واجب، و لا طلب معاش لا غنى به عنه، و هو يعلم ذلك، فقد أعطى بيده إلى التهلكة على عمد منه، متهاونا بأمر اللّه عز و جل.