الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٤٩ - باب من أين ينبغي للعبد أن يكره ذم المسلمين له و من أين لا يكرهه؟
قال: إن شغله لحبّ الحمد، و طلبه لتسكين الشّغل عن قلبه؛ محبّة الثناء و التعظيم على طاعة ربه عزّ و جل، فقد تعجّل ثواب ذلك. و إن كراهته لشغل قلبه بالذم و محبّته أن يزول الشغل عن قلبه طلب السلامة؛ لا أنه معتقد للشغل يحبّ حمدهم، و لكن كراهة أن يجاهد طبعه، فلعله أن يغلبه في حال غفلته، فكلما دفع ذلك عنه أن يمتحن به عدها نعمة من ربه عزّ و جل.
قلت: فالحمد، أيضا، يحبه جملة لغير طاعة، لئلا تعارضه محنة ذم على طاعة يجاهد عنها طبعه، فيشغله ذلك، و لعله أن يزول.
قال: إن في وقوع الذم نفار الطبع، و ليس في دفع الحمد إذا لم يعقبه ذمّ نفار الطبع، إلا جزعا لحب المنزلة، و طلب الحمد منه لا يكون من قلبه إلا رجاء أن يحمدوه على خير و طاعة، فإذا دعت النفس الحمد على جملة فقد علم أنهم لا يحمدونه إلا على خير و برّ.
قلت: و كيف جوّزت حبّ الحمد بعد العمل للستر عليه؟
قال: لم أجوّزّ لهم إلا سروره بنعمة الستر بعد ما مضى العمل خالصا، و بين الحمد و الذم منزلة.
قلت: و ما هي؟
قال: أن تخلو قلوبهم من حمدهم على طاعة اللّه عز و جل و من الذم، كقلب من لا يعرفه و لا يذمه و لا يحمده، و كقلب من يعرفه فينسى إحسانه، فلا يحمده و لا يذمه، أو يذكر إحسانه ذلك و لا يتفرغ قلبه لحمد و لا ذم.
فهو لا يحب أن يذموه؛ كراهة الشغل، و يحب ألا يحمد على طاعة؛ لكراهية الرياء و الزهد في المنزلة، و يحبّ أن يخلو من ذلك جميعا، فلا يكون منهم