الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٤٨ - باب من أين ينبغي للعبد أن يكره ذم المسلمين له و من أين لا يكرهه؟
يثنوا عليه بالورع و يبروه على الورع و يأكل بدينه، و لا يحبّ أن يقولوا عليه غير ذلك، فيزول عنه الثناء بعمله و البرّ على طاعته؛ فإذا كان ذلك فقد نقص في دينه.
و إن هو لم يراء بطاعة اللّه عزّ و جلّ من أجل ذلك، و لم يجزع من ذلك؛ لأن يتمّ له الثناء على طاعته للّه عزّ و جلّ و سلم من ذلك، و شغله مع السلامة من الرياء غم ذمهم، إذا كانوا صادقين فيه عن الغم للّه عز و جل- فقد نقص و غبن، بل ما يرضى كثير من الناس بالغم بزوال الثناء بالدين، حتى يبتدئ أعمالا أخر لم يكن يعملها؛ ليزيل ذلك الذم عنه و الخروج إلى الاعتذار بالكذب و التصنّع.
و المؤمن لا يطلب بطاعة اللّه عزّ و جل حمد المخلوقين، و لا يكتسب ذمهم و لا يحبّه، لأن فيه شغل قلبه و محنة له، لعله أن يخرج إلى ما لا يحل له و عصيان المسلمين فيه بالطاعة؛ فالطاعة يريد اللّه عز و جل بها و لا يريد بها العباد، و ذمّ العباد لا يحبه، و لا يكتسبه، و لا يطلبه، و يحب ألا يعصوا اللّه عز و جل فيه، و لا يشغلوه عن ربه عز و جل، و أن يسلم دينه، و أن يسلم عليهم.
قلت: فإذا كان لا يحب ذمهم و لا حمدهم على طاعة ربه، و ليس بينهما منزلة، فإذا لم يحب ذمهم أحب حمدهم، و إذا لم يحب حمدهم فهو يحب ذمهم.
قال: إن غمه بذمّهم على طاعة ربه عزّ و جلّ ليس يجزع منه، لسقوط منزلة، و لا حبّ ثناء، و لكن لشغل قلبه و لعصيانهم فيه، فكذلك، لا يحبّ حمدهم على طاعة اللّه عزّ و جلّ.
قلت: فيحبّ حمدهم لسقوط الشغل عنهم و لطاعتهم فيه لربه عزّ و جل.